Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / أقلام حرة / “السي عَلُّول” كانت ضحكته تسلم قبل يده ! : بقلم نورس البريجة خالد الخضري

“السي عَلُّول” كانت ضحكته تسلم قبل يده ! : بقلم نورس البريجة خالد الخضري

20180610_170255

“السي عَلُّول” كانت ضحكته تسلم قبل يده !
نورس البريجة: خالد الخضري

كثيرون هم الذين نعزهم ونعرف أننا نعزهم وهم يبادلوننا نفس الإحساس، لكننا لا نشعر بفداحة حبنا لهم ونجاعة وجودهم بيننا، إلا حين ينسحبون بصفة مطلقة.. فنتساءل في قرارة أنفسنا وبحرقة: “ياه.. ألهذه الدرجة كانوا أحبة؟ “. هذا هو الشعور الكاتم للنفس الذي احتواني حين علمت بنبأ وفاة صديق وزميل والدي رحمهما الله معا، الأستاذ عبد الرحمن علول يوم الثلاثاء: خامس يونيو 2018 المنصرم.. وهو واحد من أبرز رجال التعليم الذين بصموا حضورهم وفعاليتهم في مجالات شتى بخميس الزمامرة.
1. احترام وبشاشة
السيد عبد الرحمن علول – والذي كان الجميع يسميه “السي علول” – هو أكثر من أخ وصديق .. منذ أن وعيت بشيء اسمه المدرسة.. والتعليم.. والقراءة في مرحلة الطفولة بالزمامرة وحتى لقائي به في السنوات الأخيرة كان وظل واستمر هو هو.. بشوشا، ضاحكا، وخصوصا وديعا مسالما. رغم أنه في داخله كان ديناميكيا وشعلة من الحماس ومشاغبة الحياة في عدد من تجلياتها.. فهو لم يقتصر على التعليم كمهنة أو كهواية، بل كانت له أنشطة أخرى: جمعوية.. سياسية.. اجتماعية.. رياضية وتجارية.. كان يخوص في سائر هذه المجالات بهدوء وروية وبشاشة.. حيث جالسته عدة مرات فلم يشتك لي ولا مرة واحدة من مهنة التعليم.. ولا من السياسة، أو الرياضة.. نعم، كان ينتقد ويعلن عن آرائه لكن دون تشنج أو سخط وتحامل.. بل كان يضحك – ليس استهتارا بالأوضاع – ولكن للترفيه والتخفيف من حدة الواقع.
مرة وأنا برفقته بالمقهى التابع لمحل بيع و إصلاح العجلات الذي أنشأه في مدخل الزمامرة من جهة الجديدة، سألته عن غياب ابنه – صديقي يوسف – عن هذا المحل الذي كان يديره فيما سبق؟ فرد وهو يضحك ودون أن يتبرم أو يدعو على يوسف ب”السخط” كما يفعل عدد من الآباء الذين يغضبون من أبنائهم، وإنما فقط ضحك السي علول وقال:
– واش غادي نقول ليك ألسي خالد؟ يوسف غادي يدور حتى يعيا ويرجع.. فكلشي ديالو.. الله يهديه.
قال هذا ولتغيير دفة الحديث، مال نحوي يسألني وبنوع من الهمس عن آخر النكث – تلك التي تقال فقط بيني وبينه – وهو يضحك.. فتساءلت مع نفسي: ” لماذا سأحكي له نكتة مادام قد حصّل نتيجتها التي هي الضحك؟” الرجل يضحك ويُشع الضحك والبشاشة أينما وحل وارتحل.. حين يقبل عليك تسبق ضحكتُه سلامَه. كما كان يناديني دوما ب”السي خالد”. بينما سكان الزمامرة والإقليم برمته ممن عرفه عن قرب أو بعد، كانوا ينادونه ب “السّي علول”.. فتمة احترام كان يشعه هذا الرجل بين مجالسيه.. كما يشع منه.
لم يكن يتسرع لا في الكلام، ولا في المشي أو الحركة.. كل شيء فيه ولديه كان هادئا.. رصينا.. ثابتا ومضبوطا.. حياته كانت منظمة، لكل وقت وفضاء عملهما وطقوسهما.. حتى حصة القيلولة التي لا تستغرق سوى دقائق معدودة، لم يكن يفرط فيها أينما وجد.. لم يدخن طوال عمره الذي اشرأب على العقد الثامن سيجارة واحدة ولا أدخل قطرة كحول إلى جوفه.. فعاش ومات عاشقا للحياة.. حياة هادئة مثمرة.. هذا هو الانطباع الذي كان “السي علول” نفسه يريد أن يوصله للأخرين.. وقد أفلح.
2. عشرة وزمن جميل
جميلا كان “السّي علول”.. ولا أعتقد أن تلميذا بالأمس، غدا اليوم إطارا من أطر الدولة أو موظفيها كبارا وصغارا.. أو تجارها أو سياسييها أو رياضييها… تتلمذ على يد “السي علول” أو على الأقل تعرف عليه عن قرب، أو اشتغل معه في مجال من المجالات التي خاضها، لا يشاطرني الإحساس بجسامة الفقد والحب لهذا الرجل الوديع.. رجل الزمن والمعاشرة الجميلين.. زمن المعلمين الرائعين الذين ازدانت بهم حاضرة الزمامرة وإقليم دكالة ككل خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته.. معلمون غدونا نعتبرهم الآن بحكم المعر فة أو الدراسة على أيديهم “رسلا”، كما لقبهم أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة: << قف للمعلم وفِّه التبجيلا…>>
معلمون من طينة وحجم السادة الأساتذة: الخضري الهاشي “والدي” – والخضري البشير “عمي” -والسي ملاحظ – والسي عِمران – وشهيد – والغزلاني – وفراضي – والعشابي – والاشهب – والعروي – وعبد الهادي الضعيف – والسي علول طبعا… حيث فعلا “كاد المعلم أن يكون رسولا”.
كان صوت “السي علول” ذا بحة رخيمة تغريك بالإنصات اليه والاقتراب منه أكبر قدر ممكن لسماعه. وعادة ما كان يأخذ بكف رفيقه متى ارتاح إليه وران بينهما حب وتقدير صادقين.. هذا ما تشرفت بتحقيقه شخصيا في علاقتي مع “السي علول”.. وبه كنت سعيدا ولازلت.
3. بطاقة تعريف
ولد السيد عبدالرحمن علول سنة 1941 بدوار الطواجنة، جماعة الغنادرة، دائرة الزمامرة. خريج معهد القاضي عياض للدراسات الإسلامية بالجديدة سنة 1962، حافظا للقران الكريم ومتشبعا بثقافة أصيلة أهلته لكي ينخرط في سلك التعليم مدرسا للغة العربية وآدابها ابتداء من سنة 1963 وإلى حين تقاعده سنة 2001.
التحق في بداية مشواره كمعلم بمجموعة مدارس بني يخلف، ثم سانية برگيگ.. قبل أن ينتقل إلى مدرسة تامدة – نواحي سيدي بنور- حيث استمر هناك إلى حين تقاعده.. لكن الجدير بالذكر في مسيرة “السي علول” المهنية أنه كان يسعى إلى خدمة وتطوير القطاع التعليمي بأنشطته وأفكاره، إذ وهو يشغل منصب مسير مدرسة اولاد بوعنان – بين الزمامرة وسيدي بنور – تحت متابعة لجنة في إطار إعداده لمنصب مدير رسمي، أنجز بحثا فريدا من نوعه، ليس على المستوى الإقليمي بل وربما الوطني ولا مبالغة، إذ حمل هذا البحث عنوان: << دور الجماعات المحلية في دعم المنظومة التعليمية>> وبناء عليه تقرر نجاحه ونيله لمنصب مدير رسمي لمؤسسته عن جدارة واستحقاق. فهذا هو حب المهنة والتفاني في خدمتها وتطويرها، من خلال اقتراحه للجماعات المحلية كمدعم مالي لقطاع التعليم، كل جماعة في نطاق اختصاصها الترابي.. حدث ذلك في موسم: 1990/1991.
ولاشك أنه من الأسباب والدوافع التي جعلته يفكر ويقترح هذا الاقتراح النير، تجربته السياسية التي دامت عدة سنوات كعضو في الجماعة المحلية لخميس زمامرة خلال فترتين: من 1977 إلى 1983، ثم من 2009 إلى 2015. كما شغل فيه المناصب التالية:
– رئيس جمعية آباء التلاميذ بثانوية الزمامرة.
– رئيس فريق النهضة لكرة القدم في موسم 1981/1982.
– رئيس جمعية دار الطالب أيضا في الفترة من 1977 إلى 1985.
ثم وبإلحاح ممن يعرفونه عن قرب ويعرفون استقامته وديناميكيته سواء من أطر دار الطالب أو من خارجها، عاد ليشغل منصب رئيس جمعيتها منذ سنة 1990 الذي استمر فيه إلى حين وفاته رحمه الله. وكمعظم جل معلمي تلك المرحلة، كان وظل “السي علول” أنيقا.. جميلا.. يعتني بمظهره وهندامه، لا يكاد رباط العنق يفارق رقبته حتى وهو ذاهب للتبضع من السوق.
4. معلم أصيل وأب روحي
“السي علول” رغم تشعب مهامه في قطاعات متباينة، لم يقصر في واجبه الأسروي إذ عرف عنه أنه كان أبا مثاليا ورب أسرة حازم. يحكي ابنه يوسف، والذي ورث عن والده تلك البحة وإن كنت بحة الابن هي إلى الحشرجة أقرب:
” كان السي علول (يوسف دائما يلقب والده بالسي علول حين الحديث عنه للآخر، أما في مخاطبته له شخصيا فقد كان يناديه بالدارجة “سِيدي”..) ويضيف أن سائر إخوته التسعة – هو عاشرهم وهم على التوالي حسب التسلسل الزمني: عبدالكريم، يوسف، عبدالمجيد، نعيمة، خالد، هشام، طارق، سعاد، عثمان، ياسين. كلهم كانوا ينادونه بنفس اللقب إضافة إلى بقية الأقارب كما عدد من سكان الدوار. حتى أخاه الأكبر منه سنا – أي عمي – المرحوم محمد كان يناديه “سيدي”. مما ينم على تمتع الرجل بمكانة احترام ومحبة بوأته مرتبة الأب الروحي للأسرة والقبيلة ككل.”
يقول يوسف باعتزاز مندى بضحك الإعجاب و الامتنان:
<< كان السي علول (مْهَلِّي فينا الصّح ما يتمكن).. فعلى امتداد 8 سنوات متتالية، كان يحمل معظم الفريق “العلّولي” في مرحلة طفولتهم – رفقة الوالدة طبعا – على متن سيارة بيكوب ومعنا خيمة كبيرة إلى شاطئ الحوزية للتخييم خلال العطلة الصيفية.. كان يذهب للسوق فيحضر المواد الغذائية بالجملة: صندوق طماطم، صندوق بطاطس، صندوق جزر إلخ… زيادة على اللحم والدجاج وتوابعهما… كالنت أياما جميلة والله >>
قال هذا يوسف وضحك طويلا ثم صمت.. فشاركته هذا الصمت الهادر الذي عبر عن قدر هائل من المحبة والتقدير الذي يكنه الابن علول للأب “السي علول” خاتما قوله:
<< والحمد لله .. الحمد لله… >>
وفاء جميل.. وتقدير أجمل.. للأب الحنون.. وللمعلم الأصيل.. الذي لم يخلف فقط أو ربى وعلم أبناءه، ولكنه خلف وعلم جيلا بكامله.. إنه ذلك الرجل الذي كانت ضحكته تسبق سلامه.
“الســـــــــــــي عــــلــــــول”

20180610_170222

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى