أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية » ثقافة وفنون » دنيا في حاضرة العلم .. والعائلة .. والدنيا : بقلم نـورس البريجـةخـالـد الـخـضـري

دنيا في حاضرة العلم .. والعائلة .. والدنيا : بقلم نـورس البريجـةخـالـد الـخـضـري

20180710_142020

أصداء مزكان : نورس البريجة خالد الخضري 

( أقسم بالله العظيم و الله على ما أقول شهيد، في هذه اللحظة التي يتم فيها قبولي عضوا في المهنة الطبية أتعهد علانية ) :
– بأن أكرس حياتي لخدمة الإنسانية
– وأن أحترم أساتذتي وأعترف لهم بالجميل الذي يستحقونه
– وأن أمارس مهنتي بوازع من ضميري وشرفي جاعلا صحة مريضي هدفي الأول
وألا أفشي الأسرار المعهودة لي
– وأن أحافظ بكل ما لدي من وسائل على الشرف والتقاليد النبيلة لمهنة الطب
– وأن أعتبر سائر الأطباء إخوة لي
– وأن أقوم بواجبي نحو مرضاي بدون أي اعتبار ديني أو وطني أو عرقي أو سياسي أو اجتماعي…
– وأن أحافظ بكل حزم على احترام الحياة الإنسانية منذ نشأتها
– وأن لا أستعمل معلوماتي الطبية بطريق يضر بحقوق الإنسان مهما لاقيت من تهديد.
( بكل هذا أتعهد من كامل اختيار ومقسما بالله والله على ما أقول شهيد ) .
هذا هو نص قَسَم المهنة الذي رددته قريبتي الآنسة دنيا دافع إثر مناقشة أطروحتها لنيل الدكتوراه في الطب يوم الخميس: 21 يونيو 2018 المنصرم بكلية الطب والصيدلة بالرباط. هو قسم منسوب إلى الطبيب والحكيم اليوناني أبقراط الذي يردده سائر الأطباء المتخرجين ويتميز بحمولة إنسانية مفعمة بالحب، فعل الخير والتفاني في خدمة الحياة عن طريق الطب ” دون أي اعتبار ديني أو وطني أو عرقي أو سياسي أو اجتماعي” وكل هذا من أجل: ” الحفاظ على احترام الحياة الإنسانية منذ نشأتها”.
1 – أبو الطب
لقب أبقراط بأبي الطب لأنه أول من دون الطب ولقنه لتلامذته شفويا ومكتوبا، و ذلك بعد أن لقنهم الإيمان بأن يراعوا حقوقه وألا يعلموه لغيرهم إلا بعد أخذ العهد عليه بأداء القسم المذكور. لأن الطب قبله لم يكن يلقن إلا شفويا من أب لابنه أو لحفيده.. وإذا احتاجوا إليه أو دعتهم الضرورة لتدوينه في الكتب، سطروه بألغاز لا يفهمها أحد سواهم.
ولأبقراط أو أبي الطب يرجع الفضل في تخليص هذه المهنة من آثار الفلسفة وظلمات الطقوس السحرية. ولد سنة 460 قبل الميلاد وعاش 95 سنة تعلم خلالها الطب من أبيه وجده وبرع فيه، فأصدر بشأنه عدة كتب. كما نسب إليه عدد وفير من الحكم والمقولات الطبية التي تعتبر اليوم قواعد أساسية في التربية الصحية والتغذية السليمة، فهو صاحب المقولة الشهيرة:
”نحن نأكل لنعيش، ولا نعيش لنأكل” – ” كل مرض معروف سببه، موجود شفاؤه – “إذا تغذى الناس وهم أصحاء بأغذية السباع فأمرضتهم، فإننا نغذيهم بأغذية الطير ليصحوا” – “إن محاربة الشهية أيسر من معالجة العلة” ثم ” ليس معي من فضيلة العلم، إلا علمي بأنني لست عالما” !!…
هذا وقد تطور قسم أبقراط الطبي مع تطور الزمن ونقله إلى سائر لغات العالم بما في ذلك اللاتينية والفارسية والعربية… متأثرا ببعض عقائد الدول والشعوب التي اعتمدته. لكن القواعد الأساسية والمبادئ والمثل العليا التي انبنى عليها قسم أبقراط وسنها هو نفسه تظل حاضرة في جميع الترجمات. فهو أول من: حرم الإجهاض والموت الرحيم الذي يطلبه مريض ميؤوس من شفائه أو أهله (Euthanasie..) وحث على سر المهنة وعدم إفشاء أسرار المريض كما حث على التخصص فأقسم ألا يدخل مبضعا في كِلية إنسان لاستئصال الحصى تاركا ذلك لذوي الاختصاص إلخ… كما ورد في النص الأصلي للقسم الذي صاغه بنفسه على النحو التالي:
قسم أبقراط الأصلي
( أقسم بالطبيب أبولو وأسكليبيوس وهيجيا وبانكيا وجميع الأرباب والربات وأشهدهم، بأني سوف أنفذ حسب قدرتي واجتهادي هذا القسم وهذا العهد. وأن أجـعل ذلك الذي علَّمني هذا الفن في منزلة أبويّ، وأن أعيش حياتي مشاركًا إياه، وإذا صار في حاجة إلى المال أن أعطيه نصيبًا من مالي، وأن أنظر بعين الاعتبار إلى ذريته تمامًا كنظرتي إلى إخواني وأن أعلمهم هذا الفن – إذا رغبوا في تعلمه- دون مقابل، وأتعهد أن أعطي نصيبًا من التعاليم الأخلاقية والتعليمات الشفهية وجميع أساليب التعليم الأخرى لأبنائي ولأبناء الذي علَّمني وللتلاميذ الذين قبلوا بالعهد وأخذوا على أنفسهم القسم طبقًا لقانون الطب، وليس لأي أحد آخر ولن أعطي عقارًا مميتًا لأي إنسان إذا سألني إياه، ولن أعطي اقتراحًا بهذا الشأن. وكذلك لن أعطي لامرأة دواءً مجهضًا. وسوف أحافظ على حياتي وفني بطهارتي وتقواي. ولن أستخدم الموسى حتى مع الذين يعانون من الحصوات داخل أجسامهم. وسوف أتراجع لمصلحة الرجال المشتغلين بهذا العمل. وأيا كانت البيوت التي قد أزورها، فإنني سأدخل لنفع المريض، على أن أظل بعيدًا عن جميع أعمال الظلم المتعمَّد، وجميع الإساءات وبخاصة العلاقات الجنسية سواء مع الإناث أو مع الذكور أحرارًا كانوا أو عبيدًا. وسوف أظل حريصًا على منع نفسي عن الكلام في الأمور المخجلة، التي قد أراها أو أسمعها أثناء فترة المعالجة وحتى بعيدًا عن المعالجة فيما يتعلق بحياة الناس، والتي لا يجوز لأحد أن ينشرها. فإذا ما وفيت بهذا القسم ولم أحِدْ عنه، يحق لي حينئذ أن أهنأ بالحياة وبالفن الذي شَرُفت بالاشتهار به بين جميع الناس في جميع الأوقات؛ وإذا ما خالفت القسم وأقسمت كاذبًا، فيجب أن يكون عكــــس هــــذا نصيبـــي و جزائي ) .
وهكذا يتبين أن أبقراط لم يكن مجرد طبيب معالج أو جراح، ولكنه كان أيضا فنانا باعتباره للطب فنا كما كان حكيما.. وربما من هنا أطلق المصريون سابقا ولازالوا، على الطبيب لقب: “الحكيم”…
* للعلم والإفادة:
1 – توفي أبقراط يوم 19 سبتمبر سنة 377 قبل الميلاد. وتحتفل اليونان كل عام بهذا اليوم لتخليد ذكراه كما تم اعتبار: 19 سبتمبر من كل سنة يوما عالميا لأبقراط أبي الطب وواضع أسسه.
2 – الصورة أدناه على شكل صليب لمخطوطة بيزنطية تعود للقرن 11 مدون عليها قسم أبقراط .. وتوجد بمكتبة الفاتيكان.
2 – الانصمام الخثاري
“الانصمام الخثاري لدى مرضى الإنعاش، نسبة الحدوث عوامل الخطر والوقاية” هذا هو عنوان أطروحة الآنسة دنيا دافع لنيل دكتوراه الطب والتي استحقتها بميزة “مشرف جدا” من طرف لجنة تكونت من أساتذة جلهم متخصص في شعبة الإنعاش والتخدير وهم الدكاترة: عبد الواحد بايش رئيسا – وعضوية كل من : خليل أبو العلاء – علاء القريشي – هشام البقالي – ومحمد بنشقرون (أستاذ في جراحة العظام والمفاصل)
هذا النوع من المرض يصيب بعض المرضى الذين يخضعون لعمليات جراحية قد تكون معقدة ورغم أنها تكلل بالنجاح، إلا أن عددا منهم يصاب به، بل ومنهم من يفارق الحياة، حيث يتخثر الدم في بعض الأوعية أو الصمامات فيؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة قد تصل حد الوفاة. ولهذا عادة ما نسمع ونستغرب عن مريض أجريت له عملية جراحية خطيرة يشهد الأطباء بنجاحها لكنه يتوفى وهو في مرحلة الإنعاش، بغض النظر عن سنه بما في ذلك الشباب والرياضيون وأصحاب الأجسام القوية.
وأشاد أعضاء اللجنة برمتهم بتوفق دنيا في عرض هذا المرض وتبيان أسبابه، ونسب حدوثه كما عوامل الخطر المحدقة به فالوقاية منه. هو اختيار صعب جدا نظرا لخطورة وحساسية الموقف، لا شيء، إلا لأن مرحلة الإنعاش هي المرحلة الفاصلة بين الحياة والموت، خصوصا أثناء التخدير الذي قد يستفيق منه المريض أو يستمر ممددا على أريكة الجراحة إلى الأبد. ولهذا نقول أحيانا وعلى سبيل الفكاهة عن مريض يوجد في قسم الإنعاش:
– سنذهب لزيارته “إن… عاش” !
3 – الأحمر والأسود LE ROUGE ET LE NOIR
كانت دنيا بعباءتها السوداء التي ينتهي كماها بلون قاني كما قبعة التخرج الجامعي الشهيرة التي تتدلى منها ياقة قانية بدورها، تبدو متألقة كأية امرأة جميلة “يليق الأسود بها” هذا اللونان المتكاملان اللذان ألهما كثيرا من المبدعين في روافد إبداعية متنوعة، شعرا، سينما، تشكيلا ورواية، لعل خير نموذج رواية ستاندال الشهيرة: (الأحمر والأسود le rouge et le noir).
دنيا ببشرتها البيضاء وشعرها الفاحم والذي نجا من ظلامية الحجاب الكاتم على النفس، فانسدل بطلاقة وحرية على كتفيها، كانت تبدو هادئة، واثقة من نفسها.. من عينيها الغائرتين قليلا، يشع ذكاء وتوقد يحيل على جمال آسيوي خصوصا حينما تضحك.. حتى أثناء المناقشة كانت ابتسامتها تزداد انفراجا وهي تستمع إلى ملاحظات لجنة المناقشة، على رأسها الأستاذ المشرف الدكتور خليل أبو العلا الذي صرح أنه تشرف بتأطير هذه الأطروحة / البحث حيث دعا بشأنه دنيا إلى النزول إلى الميدان بحضور بعض عمليات التخدير ثم معاينة حالات إنعاش بعض المرضى قائلا بالحرف مخاطبا دنيا:
– “إنك سهلت علي المهمة فيما قدمته من معلومات وإحصائيات وأيضا اقتراحات، لأنني أعترف أنني أعطيك بحثا صعبا ولكنك ركبت التحدي وأنجزته بتفوق”
وتمنى في الأخير لو تَنْظَم الدكتورة دنيا دافع إلى المجال العسكري لمزاولة مهنتها. لكن ابتسامة هذه الأخيرة ازدادت اتساعا وهي ترمق والدتها الحاجة فاطمة حيث دار بينهما حوار النظرات، فهمت كل واحدة منهما مغزاه وبأنه لا مجال هنا لتطبيق المقولة الشهيرة: “اكفي الگدرة على فمها …”.
4 – الفاميلة la familia
إلى جانب الوالدة والوالد أحمد كما الشقيق حمزة، دعم دنيا بالحضور عدد وفير من أفراد العائلة، فكان هناك الأخوال والعمات وأبناؤهم وحفدتهم كما الأصدقاء والصديقات المنتمين للميدانين المدني والعسكري. كانت هناك حليمة ونجاة.. رشيدة وسعيدة.. رشدي وسامي محمد الأمين.. سعاد ونوار.. خولة وفكرية .. السي محمد و فدوى.. نادية وسكينة.. العربي ومنال وبوشعيب .. محمد فرحون.. ونجاة فداك.. ونوال عبد الفاضل.. وبعض من زينة الحياة، أطفال جميلون شاغب بعضهم أثناء تقديم الأطروحة بينما نام البعض الآخر أو التزم الصمت: آدم، محمد سليم، ياسر، شادي، ريان، بينما اعتذر الأخ “رياض” لمناقشة أطروحته في “الروض” ! كل هؤلاء وغيرهم حلوا بحاضرة العلم والعائلة والحياة.. وليوقعوا على سبورة التهنئة التي كانت تتوسطها صورة دنيا وهي تؤدي قَسم المهنة.
ولو استمررت في ذكر أسماء العائلة والأصدقاء والأطفال، لتحولت هذه المادة الإعلامية إلى دفتر حالة مدنية مفتوح الصفحات.. وبالتالي حين أقول (العائلة) فذلك يشمل أقارب دنيا / أقاربنا من والدتها ومن والدها بل وحتى الأصدقاء والزملاء كما الصديقات والزميلات المقربين، فهذا هو مفهوم ”العائلة”، بالمعنى المقدس والتي تتكون من أصغر وأحدث حفيد إلى أكبر جد أو جدة، مما يحيلني على فيلم (العائلة la familia) للمخرج الإيطالي الكبير إيتوري سكولا، والذي يحكي قصة عائلة إيطالية خلال 80 سنة دون أن تغادر الكاميرا المنزل، حيث يبدأ الفيلم بحدث تعميد طفل حديث الولادة في مستهل عشرينيات القرن الماضي، ليستمر معه ودائما داخل العائلة بأفراحها وأتراحها.. بوفاءاتها وخياناتها.. بتحالفاتها وشجاراتها ومصالحاتها.. بعللها وعقدها وإشراقاتها.. بانضمام أفراد حديثين إليها سواء عن طريق الولادة أو التبني أو الزواج.. وخروج آخرين سواء عن طريق الطلاق أو الوفاة طبيعيا أو في الحرب… لينتهي الفيلم بلقطة التقاط صورة تعميد طفل جديد، والذي يحمله بين يديه هو ذلك الصبي الذي ابتدأ به الفيلم وقد غدا شيخا عمره 80 سنة ! وهكذا تستمر العائلة.. فتستمر الحياة…
فما قصدته من هذا الاستطراد، هو أن دنيا كانت سعيدة ومحظوظة بوجودها وسط العائلة دون فرق بين أي أصل من أصولها أو فروعهم.. لأنه حين تنقسم العائلة إلى قطبين: أقارب الأب من جهة ثم أقارب الأم من جهة ثانية.. وقد ينضاف إليهم قطب ثالث يجمع أفرادا ينتمون للجبهتين، ليدخل الجميع – كبيرا وصغيرا – في حرب عصابات على الأقل كلامية أو نميمية، تتصدع على إثرها مؤسسة العائلة فيشحب التزاور ويقل إحياء صلة الرحم.. ولا يكاد يلتقي ويجتمع أكبر عدد منهم إلا في حالات الوفاة والجنازات.
دنيا محظوظة ونحن معها، ذ أننا كنا جميعا حولها بأصولنا وفروعنا.. خصوصا أن المناسبة التي جمعتنا فيها دنيا – وزيادة على كونها لمة عائلية يندرج فيها حتى الصديقات والأصدقاء – فقد اكتست أيضا طابعا علميا ومعلوماتيا مهما.. وشخصيا كنت سعيدا جدا لأنني استفدت من قدر معلوماتي لا يستهان به من مناقشة أطروحتها، على رأسها قَسَمُ أبقراط الذي لم أكن أعرف عنه ولا عن صاحبه شيئا يذكر، كما غنمت العلم بمرض “الانصمام الخثاري” الذي أسمع به لأول مرة.. مما يزيدني محبة لقريبتي وفخرا بها.. لا يسعني في الختام إلا أن أقول لها:
– ” شكرا دكتورة دنيا دافع ” .

20180710_195223

20180710_141921

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى