أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية » أقلام حرة » ( نوح لا يعرف العوم ) بين السرد السينمائي والشفوي

( نوح لا يعرف العوم ) بين السرد السينمائي والشفوي

20180420_110326
أصداء مزكان  : نورس البريجة خالد الخضري
يعرض حاليا بقاعاتنا السينمائية فيلم (نوح لا يعرف العوم) وهو ثاني فيلم روائي طويل لرشيد الوالي بطولة وإخراجا بعد (يمّا) 2003.. شاركه في كتابة السيناريو عدنان موجة، بينما قاسمه البطولة كل من: نجاة خير الله، فاطمة الزهراء بدوي، فاطمة عاطف، سعيدة باعدي، عائشة ماهماه، يحيى وهشام الوالي، عبد الحق بلمجاهد، زكريا عاطفي، ثم المسرحي المرحوم جمال الدين الدخيسي…
1 – “من لم يمت بالعشق فهو جيفة”
ورد بملخص الفيلم: “نوح أب لطفل ولد بدون ذراعين.. بعد وفاة زوجته غرقا في النهر، يتمكن نوح من الهرب رفقة ابنه الذي يريد أن يرى البحر.. وجمانة أفضل صديقة لعطيل والتي تعرضت للاغتصاب من قبل زوج أمها شيخ القرية العطاش”
انطلاقا من الملخص، ومن قولة الشاعر الفارسي الصوفي جلال الدين الرومي التي استهل بها الفيلم: “كم هم سعداء أولئك الذين يتخلصون من الأغلال التي ترسخ بها حياتهم” يبدو أننا أمام طرح فلسفي ينساب مع تيار سردي مزدوج: سينمائي وشفوي، حيث توفق رشيد في جعل هذين السردين متوازيين، حتى يتجاوز فلسفية الوقائع ليتماهى مع ما وقع، من خلال حكاية شعبية تجري أطوارها في قرية جبلية إبان الفترة الاستعمارية.. حكاية محملة بخطابات وأسماء دالة مشاكسة.. فمن الوهلة الأولى قد يتساءل المتلقي بخصوص الأسماء: كيف يمكن لنوح ألا يتقن العوم وهو الذي – في الموروث الديني – أنقد درية بكامل بشرها، حيواناتها وطيورها على متن سفينة، راكبا بها أخطر الأمواج وما خرا أعتى البحار؟
وكيف لعطيل أن يولد بدون ذراعين رغم أن اسمه يحيل على ذلك البطل المغربي المغوار الذي كان يشغل منصب جنرال في جيش البندقية الإيطالي في القرن 17 حسبما ورد في مسرحة ويلييم شكسبير الشهيرة الحاملة لنفس الاسم كعنوان: (Othello) بينما عطيل ابن نوح لا يمكن أن يقتات ما لم يلقمه والده الأكل وإلا مات جوعا. فتناقض الأسماء بمرجعياتها التاريخية والتراثية هو في حدث ذاته إرباك فلسفي على المتلقي فكه، فيغدو مساهما في العملية الإبداعية وليس مجرد متفرج مستهلك.
تبقى “جمانة”.. واسطة العقد وعقدة الحكاية ككل.. اسم جميل على مسمى أجمل.. له بدوره مرجعية تاريخية إسلامية، فمن أشهر أقارب الرسول (ص) ابنة عمه جمانة بنت أبي طالب – شقيقة علي – كما إنها إحدى بطلات إحدى الروايات التركية الرائعة (لقيطة إسطنبول) للكاتب أليف شافاك.. وهي امرأة عنيدة ثورية.. والجمانة اصطلاحا هي حبة اللؤلؤ الفضية. لذا كان طبيعيا أن تُرتكب جريمة قتل بسببها، بل وعلى يدها في القرية لتغير مسار حكاية وحياة عائلة بكاملها.
جمانة، صديقة عطيل وإن كانت تكبره سنا.. تربطها علاقة مُربكة بجارها نوح.. فرغم أنها تناديه ب “عمي” فتمة خيط سميك لكنه رقيق لا يكاد يُرى من العشق والحب يشدها إليه ويشده إليها.. لكن سمعته وتقاليد القرية يمنعونه من الانصياع لهذا العشق المخنوق.. فلا يفتأ يردعها عن المجيء عنده لا إلى البيت ولا في السوق خوفا من أنظار وألسنة الناس.. إلى أن تقع الواقعة بقتلها لزوج أمها “االعطاش” إثر إقدامه على اغتصابها.. الشيء الذي لم يترك لنوح أي خيار سوى الفرار صحبة ابنه عطيل وجمانة خوفا من رجال العطاش الذي كان ذنبا من أذناب الاستعمار والآمر الناهي في القرية، فلم يكن بمستطاع أي حفل أن يُنظم أو يُشرع فيه سواء كان غنائيا أم سينمائيا، إلا بحضوره وإذنه رغم تظاهره بالبراءة والمسكنة، وأحيانا بالقوة والجبروت.. في حين أنه في عمقه إنسان ضعيف، مطحون ووحيد رغم ما يحيط به من خدم وحريم ومخازنية.. فيظل ويبيت يعاقر الخمر بحثا عن نفسه.. عن الإنسان والإنسانية في صلبه. لذا نراه ينخرط باكيا في حضن إحدى زوجاته (حليمة) كطفل غرير وهو يردد نائحا:
– “علاش أنا كنبغيكم كلكم.. علاش؟”
إنها لعنة أو عقدة ازدواج الشخصية التي تُربكه وتُربك حياته.. كما تفعل نفس الشيء في نوح الذي تغرق زوجته مخلفة له عبئا ثقيلا يتجسد في تربية وتنشئة طفل كسيح، وكأنها تركت له سمكة بدون ماء، حيث قالت له حين ولادته: – “غادي يعيش وسطنا بحال شي حوتة في الما”.
لكن أين الماء؟ هو ما رحل نوح مع ابنه باحثا عنه في البحرالذي لم يرياه قط، حاملا عقدته أو بالأحرى حرقته المتمثلة في شعوره بفداحة ما يكنه لتلك الشابة من عشق مكتوم.. فلا يجد ما يُفرِّج به عنه كربته ويساعده على استيعاب مكنون صدره وقدره، سوى ديوان جلال الدين الرومي الذي استهل الفيلم بقولته الأثيرة السالفة، حيث قال له ذلك الشيخ الذي أهداه الديوان:
– لا عليك يا بني مما أنت فيه.. فمولانا جلال الدين قال: “من لم يمت بالعشق فهو جيفة”.
2 – من المُدنَّس إلى المقدس
وهكذا يحمل نوح ابنه.. يمتشق عشقه، ألمه وأمله كما تبعة جريمة لم يرتكبها، ليرحل في غبش الليل… تتبعه جمانة رغما عنه، بل تطارده مهددة بالانتحار إذا تخلى عنها.. فلا يجد سوى الخنوع خصوصا تحت تذرع عطيل الذي يتوسل إليه لاصطحابها معهما. لكن وفي الطريق المليئة بمخاطر قطاعها ورجال العطاش الباحثين عنه كما عساكر فرنسا، والذين يتوفق في الإفلات منهم جميعا، يعتقله حدث جسيم يكاد ينسفه: إنه اكتشافه لحمل جمانة من الشيخ العطاش وإجهاضها من طرف عجوز صادفها في ضريح من الأضرحة المنزوية في سفح جبل ناء.
وفي مشهد من أشد مشاهد الفيلم تأثيرا وإيلاما، ذاك الذي تتم فيه عملية إجهاض جمانة على ضوء شموع الولي الصالح.. ولهيب النار المستعرة في إحدى جنباته.. هي نار الخيبة والحَرَج المستعرة بوجدان نوح، ينخرط هذا الأخير – وفي نفس زمن الإجهاض عبر مونتاج متواز – في “جذبة” هستيرية خابطا رأسه على حائط الولي تحت صراخ جمانة وإيقاع عيساوة بالليرة والبندير، لعله يتخلص مما يسكنه من أرواح شريرة حولت حياته إلى جحيم.. أو لعله يفجر دماغه حتى لا يسمع ولا يرى شيئا مما حاق ويحيق به من كوارث لا يد له فيها، وذلك فقط لأنه أحب وعشق رغما عنه.. ولأنه لا يحسن العوم بحيث لو كان يعرف، ما غرقت زوجته أمام عينيه…
فيتأبط نوح بالتالي وجعا جديدا ويقصد به البحر للاغتسال والتطهير.. إنه يها جر من المدنس الأرض / التراب.. إلى المقدس: البحر / الماء.. وفي غابة يصادف قرية يلتحف سائر سكانها وساكناتها كبارا وصغارا البياض.. رمز الطهارة والنقاء.. فيعتنون به، بابنه ثم بجمانة التي تسلم الروح وهي في أبهى زينتها، مُرصَّعُ جبينها بالوشم، ومخضبتان يداها بالحناء.. وهنا – وأمام حضرة وجلال الموت – لا يتمالك نوح نفسه فيجهش باكيا عند رأسها سائلا ربه في شبه عتاب:
– “علاش يا سيدي ربي، جوج عيالات اللي كنبغي، يموتو بين يدي؟”
بعد هذا الوجع المؤلم أو المخاض العسير إن شئنا التعبير، تحل ولادة جديدة: “اكتشاف البحر” لأول مرة.. فيكون الابن هو المكتشف والدال عليه وليس الأب، حيث برع رشيد مرة أخرى في تصوير هذا اللقاء الأسطوري بين المكتشِف والمكتشَف: البحر الذي وصلنا فقط من خلال مؤثر سمعي طاغ يتمثل في برويطاج كثيف لهدير الموج.. تماما كما كان يصلنا حوار العطاش ونوح ليلا من وراء باب بيت هذا الأخير من غير رؤية المتحاورين.. ثم دوي رصاصة، مما أذكى حس الفضول والتشويق لدى المتلقي قبل أن يعلم أن المجني عليه بتلك الرصاصة هو العطاش.. بعدما توقعنا العكس مادام هو الذي كان يملك ويحمل السلاح !!
3 – حكي مزدوج
اعتمد رشيد الوالي في سرده لهذه الحكاية أسلوبا يحاكي السرد الشفوي التقليدي لقصة أو خرافة أيام زمان (الخُبِّير).. والذي مازال جيل هذا الزمان يعشقه متى كان متقنا، سواء كان هذا الحكي كتابيا أو شفويا أو سمعيا بصريا.. فالفيلم الروائي هو في ذاته فن الحكاية إنما بأسلوب تقني وفني مختلف.. مما يسهل عمليه تلقيه بعيدا عن الحذلقة التقنية أو التمويه السينمائي الذي يزْوَرُّ بك عن مضمون اللقطة ليركز على الشكل فقط. فمجمل العناصر التي أطرتها كاميرا مدير التصوير حمزة زكريا – ابن الممثل ومساعد المخرج الملازم لرشيد، زكريا عاطفي – كانت طبيعية بمشاهدها، مؤثراتها وخلفياتها: سكون الليل.. أزيز صراصيره.. الصمت المطبق.. هدير البحر.. فناء القصبة.. ذوائب الأشجار التي أطرتها الكاميرا بطريقة ذاتية Subjective أي كما كانت تبدو لنوح من تحت وهو مستلق على قفاه.. الضباب المغلف للغابة المشرئبة على البحر، حيث كنا نسمع هديره ونراه فقط من خلال السرد الشفوي أو (الخُبِّير) الذي كان يرويه نوح على ابنه قبل النوم.. وفي نفس الوقت علينا من خلال السرد السينمائي الذي كان يردده المخرج على مسامعنا وأنظارنا عبر الفيلم حاكيا عن ذلك السلطان “اللي عشق بنت مول الفاخر” فهوى صريعا بين قلبه من جهة وبين عقله ومركزه اللذين يمنعان عليه حبه وعشقه من جهة ثانية.. تماما كما حدث لنوح من حيث عشقه وغرامه بجمانة.
وهكذا تنقلب الأمور فبعد أن كان الأب هو الذي يقود القافلة وذلك السفر المضنى بحثا عن البحر والنقاء وهدوء النفس، يغدو الابن هو من يدل الأب إلى ما كان يسعى إليه، إيذانا بتسليم المقود للجيل الجديد في ذلك المشهد الختامي الذي يتكاثف فيه الضباب.. ويتضخم هدير البحر قبل رؤيته – هو الذي استهل به الفيلم – مما يحيل على ذلك الفيلم الأمريكي الجميل (الطريق إلى جهنم) لسام مينديز 2001.. بطولة بول نيومان وتوم هانكس الذي يقود ابنه عبر سفر طويل هو الآخر نحو البحر هربا من عصابة قتلت زوجته وابنته.. فقام بتصفية جل أفرادها قبل أن يلقى حتفه في شاطئ شبه مقفر حيث يطغى أيضا هدير البحر بشكل خرافي قبل أن نراه، مع اختلاف أن نوح وابنه لن يُقتلا ولن يغرقا، وإنما سيرتميان في البحر من تلقاء نفسيْهما فرحَيْن بعناق ماء الطهارة والنقاء.. وباستنشاق هواء الحرية والصفاء.
فيبقى، كآخر لقطة متحركة ثم ثابتة – Plan fixe – نعلاهما مركونين في تآلف فوق الرمل إحالة على تآلف وانسجام كل ما يحبل به المشهد من عناصر بشرية وطبيعية وأيضا فنية: ماء – رمل – ضباب – خضرة – ضباب شفاف – فرجل وفلذة كبده يركضان، يضحكان ويتراشقان بماء الخلاص والانعتاق.. ثم موسيقى تصويرية تؤثث المشهد بشكل استحق عليه الفنان محمد أسامة جائزة أحسن موسيقى تصويرية في الدورة 19 للمهرجان الوطني المنعقد مؤخرا بمدينة طنجة.

نورس البريجة خالد الخضري

20180420_110421

20180420_110403

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى