التعتيم على تقرير المجلس الجهوي للحسابات بجماعة الجديدة… هل أصبح احترام القانون اختياراً ؟

admin23 يوليو 2026Last Update :
التعتيم على تقرير المجلس الجهوي للحسابات بجماعة الجديدة… هل أصبح احترام القانون اختياراً ؟

أصداء مازغان : المراسل

لم يعد الأمر يتعلق بمجرد تأخر إداري في عرض وثيقة رقابية، بل أصبح يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى احترام جماعة الجديدة لروح دستور المملكة، ولمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، ولمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي جعله دستور 2011 أحد الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

فبعد انتهاء مهمة المجلس الجهوي للحسابات لجهة الدار البيضاء–سطات، التي همّت مراقبة تدبير مالية وشؤون جماعة الجديدة خلال الفترة الممتدة من 11 نونبر 2024 إلى 8 ماي 2025، ما يزال تقرير هذه المهمة غائباً عن أنظار أعضاء المجلس الجماعي، ولم تتم برمجة مناقشته، رغم مرور مدة طويلة على انتهاء مهمة الافتحاص.

إن هذا الصمت غير المبرر، وهذا التكتم المستمر، يثيران أكثر من علامة استفهام، لأن الأمر لا يتعلق بوثيقة عادية، وإنما بتقرير صادر عن مؤسسة دستورية مستقلة أوكل إليها الدستور مهمة حماية المال العام، ومراقبة حسن تدبير المرافق العمومية، وتقييم أداء الجماعات الترابية.

لقد حسم المشرع المغربي هذا الموضوع بشكل واضح لا يقبل الاجتهاد، عندما نصت المادة 214 من القانون التنظيمي رقم 113.14 على وجوب إخبار المجلس الجماعي بتقارير المجالس الجهوية للحسابات وإدراجها للتداول خلال إحدى دوراته. فالنص القانوني جاء بصيغة الإلزام، وليس بصيغة الاختيار أو السلطة التقديرية.

كما أن الفصل الأول من الدستور جعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستورياً ملزماً، وأكد الفصل السادس أن الجميع، بما فيهم السلطات العمومية والمنتخبون، متساوون أمام القانون وملزمون باحترامه، بينما كرس الفصل 27 الحق في الحصول على المعلومات الموجودة بحوزة الإدارات والمؤسسات العمومية، ونص الفصل 154 على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

وأمام هذه المقتضيات الدستورية والقانونية الصريحة، يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام:

لماذا هذا الصمت؟

ولماذا يستمر حجب تقرير رقابي يهم تدبير المال العام عن أعضاء المجلس الجماعي، وهم أول من خول لهم القانون ممارسة الرقابة والتقييم؟

وهل أصبح تنفيذ المادة 214 أمراً اختيارياً يخضع للمزاج السياسي، أم أنه التزام قانوني واجب الاحترام؟

إن التقارير الرقابية ليست ملكاً لرئيس الجماعة، وليست وثائق شخصية يمكن الاحتفاظ بها داخل المكاتب المغلقة، وإنما هي وثائق مؤسساتية أنجزتها هيئة دستورية مستقلة، والغاية منها تصحيح الاختلالات، وتحسين التدبير، وتمكين المجلس الجماعي من مناقشة الملاحظات والتوصيات واتخاذ الإجراءات اللازمة.

أما استمرار حجبها، فلا يخدم إلا منطق الغموض، ويضرب في العمق قيم الحكامة الجيدة التي دعا إليها جلالة الملك محمد السادس في العديد من خطاباته، والتي جعلت من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة مدخلاً أساسياً لتحديث الإدارة وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات .

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:

هل رئيس جماعة الجديدة فوق القانون؟

وهل يملك صلاحية تعطيل مقتضى قانوني صريح يفرض عرض التقرير على المجلس الجماعي ؟

وهل يمكن لرئيس مؤسسة منتخبة أن يمتنع عن تنفيذ نص قانوني دون أن تترتب عن ذلك أي مساءلة ؟

إن هذه الأسئلة ليست اتهامات، وإنما هي تساؤلات مشروعة يفرضها احترام دولة القانون، لأن أي مسؤول، مهما كانت صفته، يبقى خاضعاً للدستور والقانون، ولا يجوز أن يتحول منصبه إلى سلطة تعلو على المؤسسات أو تتجاوز النصوص التنظيمية.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق رئاسة المجلس الجماعي، بل تمتد أيضاً إلى السيد عامل إقليم الجديدة، باعتباره ممثل السلطة المركزية، والساهر على مراقبة شرعية أعمال الجماعات الترابية واحترامها للقوانين التنظيمية، وذلك وفق الاختصاصات المخولة له قانوناً.

ومن ثم ، فإن التدخل من أجل ضمان التطبيق السليم للمادة 214، وتمكين أعضاء المجلس من نسخة التقرير، وإدراجه في جدول أعمال أقرب دورة للمناقشة، لم يعد مجرد إجراء إداري، بل أصبح ضرورة قانونية ومؤسساتية ، حمايةً لمصداقية المؤسسات وصوناً لحق المنتخبين في ممارسة اختصاصاتهم ، واحتراماً لحق المواطنين في معرفة كيفية تدبير المال العام .

إن الديمقراطية المحلية لا تُقاس بعدد الدورات المنعقدة، ولا بعدد البلاغات الصادرة، وإنما تُقاس بمدى احترام القانون، وبقدرة المؤسسات على الخضوع للرقابة، وبجرأة المسؤولين في مواجهة التقارير الرقابية بدل إخفائها.

فالشفافية لا تخيف إلا من يخشى الحقيقة، أما الإدارة الواثقة من سلامة تدبيرها، فهي أول من يبادر إلى نشر التقارير ومناقشتها وتحويل توصياتها إلى برامج للإصلاح.

ويبقى السؤال معلقاً إلى أن يقدم المسؤولون الجواب العملي، لا البلاغات الإنشائية:

إلى متى سيظل تقرير المجلس الجهوي للحسابات حبيس الرفوف ؟

وإلى متى سيستمر التعتيم على وثيقة رقابية أنجزت باسم الدستور، ومن أجل حماية المال العام، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ؟

إن احترام القانون ليس شعاراً يرفع في المناسبات، بل التزام يومي، ودولة المؤسسات لا تبنى بالسرية، وإنما بالشفافية، ولا تقوى بحجب الحقائق، وإنما بجرأة مواجهة الاختلالات، لأن المال العام أمانة، والرقابة ضمانة، والمحاسبة أساس كل إصلاح حقيقي .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News