الجبن الرقمي والفضاء العام
بقلم : محمد أمين سملالي

في زمنٍ كان النقاش يدور فيه في المقاهي والمجالس المغلقة أو في الفضاءات العامة، كانت الشتائم والتشهير تُقال همساً، ويعرف صاحبها أنه إذا تجاوز حدود اللياقة سيواجه نظرات مباشرة وربما ردوداً فورية.
فالكلمة كانت تُوزن بوجه مكشوف، والشتيمة تُقابَل بجرأة لا تراجع.
اليوم تغيّر المسرح: نفس الثقافة انتقلت إلى فضاء أوسع هو منصات التواصل الاجتماعي، لكن مع إضافة عنصر جديد… الجبن الرقمي.
الجبن الرقمي هو أن يختبئ شخص خلف اسم مستعار أو حساب وهمي. صارت منصات التواصل ساحاتٍ للاغتيال المعنوي، يختفي فيها “شبح” خلف شاشة، ليطلق سهام الكراهية من خندق رقمي: يقذف ويتهم ويختلق، يهاجم بلا هوية، ويشتم بلا اسم، ويفتري بلا رصيد. يظن أن الحساب الوهمي ستار يحميه، وهو لا يدري أنه يعلن عن عجزٍ مُذل عن مواجهة ضوء الحقيقة.
فالحجة الضعيفة لا تجرؤ على الظهور إلا في الظلام.
في الفضاء العام، لسنا مطالبين بأن نحب بعضنا أو نتفق على كل شيء، بل أن نحترم قواعد النقاش النزيه: الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة. لكن حين يتحول الحوار إلى هجوم شخصي من خلف الستار، يصبح الفضاء العام مجرد ساحة افتراضية للاغتيال المعنوي، فتفقد السياسة معناها، ويضيع النقاش الجاد وسط ضجيج الكراهية.
والمفارقة أن هذا الانحدار لا يحدث في فراغ، بل هو نتاج فضاء عمومي مغلق، تُحاصر فيه الأصوات الحرة، وتُهمَّش الكفاءات الفكرية والسياسية والإعلامية القادرة على قيادة النقاش بوعي ورقي. النتيجة أن الفراغ يملؤه خطاب الكراهية، ويترسخ منطق الشخصنة بدل منطق المحاسبة، فتُحمى شبكات الفساد من النقد الجاد، ويُحاصر الصوت الحر، ويستبدل النقاش الرصين بخطاب التفاهة المدجَّن، ويصبح التشهير بديلاً عن المحاسبة.
الحل ليس فقط في المقاربة الزجرية التي تلاحق المسيئين، بل في إعادة بناء فضاء عام يحترم كرامة الإنسان، ويتيح للجميع التعبير عن آرائهم دون خوف. فالاحترام المتبادل ليس رفاهية أخلاقية، بل ضرورة سياسية لحماية النسيج الاجتماعي من التفكك، ومقدمة لأي مشروع ديمقراطي حقيقي.
إن مواجهة الجبن الرقمي تبدأ من كشفه، وفضح آلياته، وتربية الأجيال على أن الحرية الحقيقية لا تُمارس خلف قناع، وأن الكلمة التي لا نجرؤ على توقيعها باسمنا، ربما لا تستحق أن تُقال. لأن الفضاء العام، حين يملؤه الجبناء، يصبح مظلماً… وحتى الأفكار الأكثر جرأة لن تجد فيه طريقها إلى النور .
فالاحترام ليس ترفاً… إنه حائط الصد الأخير ضد انهيار المجتمع، وحجر الزاوية في أي مشروع ديمقراطي حقيقي.





