الجديدة… حين يسبق الاقتصاد الإنسان بقلم : محمد أمين سملالي

admin6 سبتمبر 2026Last Update :
الجديدة… حين يسبق الاقتصاد الإنسان بقلم : محمد أمين سملالي

الجديدة… حين يسبق الاقتصاد الإنسان

بقلم : محمد أمين سملالي

هناك مدن تبنى وتتطور حول الإنسان ، فتكون لذلك الطرق والمدارس والحدائق والساحات العامة امتدادا لحياته.

وهناك مدن أخرى تبنى حول الأرقام، فيصبح فيها الإنسان مجرد هامش صغير في تقرير كبير.

وبصراحة لا أحد يمكنه ان يصنف مدينة الجديدة ، إلى أي الفئتين هي تنتمي حقا.

فعلى الورق، تعيش المدينة قصة نجاح تكاد تكون مكتملة؛ فمينائها يعد من بين أكبر الموانئ في إفريقيا، و مركبها الصناعي يمد العالم بالفوسفاط ومشتقاته، و هناك استثمارات بملايير الدراهم، فضلا عن موقعها الاستراتيجي الذي يجعلها حاضرة في بقوة بخرائط الاقتصاد العالمي أكثر مما هي حاضرة في خرائط التخطيط الحضري.

فزائرها قد يعتقد أنه على أبواب مدينة أوروبية…

لاكنه ما أن يقرر مغادرة التقرير الرسمي والنزول إلى الشارع حتى يبدأ بالنسبة اليه درس حقيقي.

فيكتشف أن الاقتصاد يعيش في مدينة، بينما يعيش السكان في مدينة أخرى.

فهناك مدينة أولى تعرف كيف تجذب المستثمرين، وتوقع الاتفاقيات، وتعلن عن المشاريع الكبرى و هناك مدينة ثانية تبحث كل صباح عن رصيف صالح للمشي، أو وسيلة للنقل تحفظ شيئا من كرامة التنقل، أو مساحة خضراء تذكر الناس بأن الأشجار أيضا جزء من التنمية.

لقد نجحت مدينة الجديدة في أن تصبح قطبا اقتصاديا، لكنها لم تحسم بعد في الإجابة عن سؤال جد بسيط
ألا هو كيف لها أن تصبح مدينة ؟
فليس كل تجمع للمباني مدينة، وليس كل تجمع للمصانع تنمية.

فالمدينة ليست الإسمنت الذي يرتفع، بل العلاقات الإنسانية التي تتسع وليست هي كم عدد رافعات ورشات البناء التي تزين الأفق، بل هي كم عدد الأطفال الذين يجدون مكانا آمنا لللعب و الرياضة و الترفيه، و هي كذلك كم من عدد الشيوخ الذين يستطيعون السير دون أن يتحول الرصيف إلى اختبار يومي للتوازن.

والمفارقة هي أن موقع الجرف الأصفر صار علامة يعرفها المستثمرون في العالم، في حين أصبحت بعض تفاصيل الجديدة نفسها غريبة عن أهلها.

وكأن المدينة وقعت ضحية نجاحها.
فكلما ازداد وزنها الاقتصادي، خف وزنها الإنساني وكلما تضخمت الاستثمارات، تقلص الإحساس بأن المجال الحضري يتطور بالوتيرة نفسها إنها بالفعل مفارقة تستحق التأمل.

فقد اعتدنا أن نقيس نجاح المدن بعدد المصانع، بينما في الواقع نجاحات المدن تقاس أيضا بشيء آخر لا يظهر في البيانات الإحصائية، إنه مقدار الطمأنينة التي يمكن أن تمنحها المدن لسكانها.
و حيث أنه لا توجد أية مؤسسة احصائية مختصة يمكنها أن تصدر بيانات و احصائيات حول مؤشرات بعناوين مثلا:
“كم مرة ابتسم سكان المدينة وهم يسيرون في شوارعها؟”
كما لا توجد هناك تقارير دولية يمكنها أن تقيس عدد الأحاديث التي دارت في حديقة عمومية، أو ما هو مقدار الراحة التي يشعر بها شخص وهو ينظر إلى شاطئ بحر نظيف، أو ما هو حجم الانتماء الذي يولده حي يحترم ذاكرته.

فربما لهذا السبب، نربح كثيرا في الاقتصاد… ونشعر غالبا أننا نخسر شيئا لا يمكن قياسه بالأرقام.

ليس القصد هنا بالمرة جلد الذات، ولا إنكار ما تحقق فالمشاريع الصناعية ضرورة ملحة كما الاستثمارات، فالميناء هو مكسب استراتيجي لا جدال فيه.
لكن التنمية الاقتصادية و العمرانية حين تنسى الإنسان، تتحول إلى مشروع هندسي أكثر منها الى مشروع مجتمعي.

فحين يصبح هم المدينة هو إنتاج الثروة أكثر من إنتاج جودة الحياة، فإنها تخاطر بأن تصبح مكانا ناجحا اقتصايا…
ولكنه في المقابل جد متعب إنسانيا.

ويبقى السؤال الجوهري المطروح هو هل حقا نجحت مدينة الجديدة؟

فهي بالفعل نجحت في أن تصبح قوة اقتصادية و لكن السؤال الذي يعتبر الأصعب هو هل نجحت فعلا في أن تجعل سكانها يشعرون أن هذه القوة الاقتصادية تخصهم أيضا و أن لهم نصيب فيها؟

فالتاريخ لا يذكر المدن التي راكمت المصانع و المشاريع الاقتصادية فحسب.

بل يذكر المدن التي جعلت سكانها يفتخرون بالعيش فيها.

ومدينة الجديدة لا زالت تملك فرصة نادرة ليس لأنها تحتاج إلى مزيد من الاستثمارات، بل لأنها تحتاج إلى فكرة بسيطة ربما نسيناها وسط ضجيج الأرقام و هي أن الاقتصاد لا يكون عظيما عندما يكبر وحده… بل عندما يكبر معه الإنسان.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News