الجديدة… حين يصبح الكيلومتر مشروعَ عمر!
بقلم : محمد أمين سملالي

أحيانًا، تكفي استعارة موفقة لتختزل واقع مدينة بأكمله. وهذا ما وجدته وأنا أقرأ تدوينة الاخ والصديق هشام المعناوي، التي استوقفتني بما حملته من صورة بلاغية عميقة عن حال الجديدة.
كانت تلك الاستعارة التي استوحيت منها فكرة هذا المقال، لا لإعادة إنتاجها، بل لتوسيعها، لأن واقع المدينة يبدو، في كثير من تفاصيله، أكبر من أن تختصره صورة واحدة، مهما بلغت من الدقة.
في الجديدة، لا يبدو الزمن مجرد مقياس للأيام والشهور، بل صار جزءًا من معادلة تدبير الشأن المحلي. هنا، تستطيع بعض المشاريع أن تُطيل مقامها أكثر مما ينبغي، حتى يصبح الانتظار نفسه حدثًا اعتياديًا، ويغدو التأخر جزءًا من المشهد العام.
ولعل خير مثال على ذلك ورش تهيئة كورنيش المدينة، الذي يستعد، بكل فخر واعتزاز، للاحتفال بمرور تسعة أشهر على انطلاق أشغاله، رغم أن طوله لا يتجاوز كيلومترًا واحدًا.
نعم، تسعة أشهر كاملة؛ وهي المدة الكافية لولادة إنسان، لكنها، على ما يبدو، لم تكن كافية لإنجاز ممر بحري قصير.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد تأخر في ورش من الأوراش، لكن ما يثير الانتباه أن هذا التأخر لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من الإيقاع الذي اعتاده سكان الجديدة.
فالورش يبقى مفتوحًا، والحواجز ثابتة في أماكنها، والأتربة تؤدي دورها على أكمل وجه، فيما يظل الإنجاز الفعلي مؤجلًا إلى موعد لا يعرفه أحد.
والأغرب من ذلك أن الزمن الإداري في المدينة يبدو وكأنه يسير وفق تقويم خاص، لا علاقة له بانتظارات المواطنين ولا بحاجاتهم اليومية.
فالمواطن ينتظر فضاءً عموميًا يستعيده، بينما تبدو الإدارة وكأنها لا ترى في طول مدة الأشغال ما يستدعي التوضيح أو المساءلة أو حتى الاعتذار.
هكذا تبدأ معظم المشاريع في الجديدة بحماس كبير، وعدسات كاميرات، وصور تذكارية، وتصريحات تتحدث عن التنمية وتحسين جودة الحياة.
لكن، ما إن تُطوى صفحات الافتتاح حتى تدخل المشاريع في مرحلة طويلة من الصمت، حيث تغيب الأخبار، وتختفي التوضيحات، وتتحول الآجال المعلنة إلى مجرد مواعيد قابلة للمراجعة، ثم للتأجيل، ثم للنسيان.
وحين يتساءل المواطن عن أسباب التعثر، يجد أمامه قاموسًا جاهزًا من الأجوبة:
إكراهات تقنية، ظروف استثنائية، ملفات قيد الدراسة، أو اختصاصات متداخلة.
عبارات تتكرر حتى أصبحت جزءًا من الثقافة الإدارية، وكأن الأعذار هي المشروع الوحيد الذي يُنجز في موعده.
لكن الكورنيش ليس سوى عنوان لحالة أوسع.
فالجديدة، أو “المهدومة” كما يسميها أبناؤها أحيانًا بمزيج من الدعابة والأسى، تعيش منذ سنوات على إيقاع أوراش لا تنتهي.
مشاريع تبدأ ولا تكتمل، وأخرى تتعثر، وثالثة تختفي أخبارها، حتى أصبح من العسير معرفة إن كانت المدينة تبني مستقبلها أم تؤجل الوصول إليه.
وفي كل مرة يُطرح فيها سؤال المتابعة أو تُستحضر المسؤولية، يخفت الحماس. فالتنفيذ يسير ببطء، والمحاسبة تسير أبطأ، أما الوعود فتتوارى خلف تعاقب الدورات والاجتماعات. وعلى النقيض من ذلك، تستعيد لغة الإنجاز كامل حيويتها كلما تعلق الأمر بالإعلان عن مشروع جديد أو باستعراض حصيلة لا تعكسها دائمًا تفاصيل الواقع.
ولا يختلف حال النقل الحضري عن هذه الصورة العامة. فالتنقل داخل المدينة تحول بالنسبة لكثير من المواطنين إلى اختبار يومي في الصبر. حافلات تعاني، وسيارات أجرة تشتكي، ومحطة طرقية تنتظر أن تواكب مكانة مدينة بحجم الجديدة، فيما يظل المواطن الحلقة الأضعف، مطالبًا كل يوم بالتكيف مع واقع لم يختره.
أما ملف النظافة، فهو بدوره يعكس المفارقة نفسها. تتغير الشركات، وتتبدل العقود، وتتجدد الشعارات، لكن أثر ذلك على الأرض يظل محدودًا.
الأموال تُرصد، والتقارير تُنجز، والبلاغات تُنشر، بينما يظل السؤال نفسه يتجول بين الأحياء:
أين الأثر الملموس لكل ذلك في حياة السكان؟
وإذا كان الماضي هو ذاكرة المدن، فإن الحي البرتغالي هو ذاكرة الجديدة الحية. معلمة تاريخية مصنفة ضمن التراث العالمي، كان يفترض أن تكون عنوانًا للإشعاع الثقافي والسياحي، لكنها تحولت، مع مرور السنوات، إلى شاهد على تعثر سياسات التثمين أكثر من كونها شاهدًا على حسن رعاية التراث.
واللافت أن المدينة لا تعاني من نقص في المؤسسات، ولا في المنتخبين، ولا في اللجان، ولا في الوثائق المرجعية. فالبرامج موجودة، والمخططات حاضرة، والاجتماعات لا تنقطع، والتقارير تُنجز بانتظام. غير أن الحلقة المفقودة تبقى هي نفسها:
كيف يتحول القرار إلى إنجاز؟ وكيف تصبح المسؤولية ممارسة يومية، لا مجرد صفة إدارية أو انتخابية؟
لقد نجحت الجديدة في إنتاج كم كبير من الاجتماعات والتوصيات والبلاغات، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في إنتاج الثقة لدى المواطن.
لأن الثقة لا تُبنى بالخطب، ولا بالصور، ولا بالوعود، بل تُبنى حين يرى الناس أن المشاريع تُنجز في وقتها، وأن المال العام يترجم إلى خدمات، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة.
الجديدة لا ينقصها البحر، ولا التاريخ، ولا موقعها الاستراتيجي، ولا كفاءات أبنائها.
إنها تملك كل المقومات التي تؤهلها لتكون واحدة من أجمل مدن المغرب وأكثرها إشعاعًا. لكن ما تحتاج إليه اليوم، قبل أي مشروع جديد، هو إرادة حقيقية تجعل الزمن الإداري قريبًا من زمن المواطنين، وتجعل احترام الالتزامات ثقافة في التدبير، لا مجرد شعار في المناسبات.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيواصل الجديديون متابعة فصول هذا المسلسل الطويل، وانتظار النهاية المؤجلة لملحمة “تهيئة الكورنيش”، تلك الملحمة التي نجحت، إلى حدود اليوم، في تحقيق إنجاز واحد لا يختلف حوله اثنان:
تحويل كيلومتر واحد إلى مشروع عمر، وجعل الزمن نفسه أحد أبرز معالم المدينة






