أصداء مازغان : محمد امين سملالي
ليس “المون” مجرد شاطئ صخري يحتمي به ميناء الجديدة، بل هو أحد الفضاءات القليلة التي تمنح أبناء المدينة حقهم في الاستجمام مجانًا.
هنا تعلم كثيرون السباحة، وهنا صنعت أجيال كاملة جزءًا من ذاكرتها الجماعية.
وفي مدينة تفتقر إلى مسابح عمومية وإلى فضاءات كافية للترفيه، لم يعد “المون” مجرد موقع طبيعي، بل أصبح ضرورة اجتماعية.
لذلك، حين طُرحت قبل سنوات فكرة إغلاقه، كان من الطبيعي أن يرتفع صوت المدافعين عن حق الناس في ارتياده، وكنت من بينهم.
غير أن الدفاع عن حق الولوج إلى الفضاء العام لا يكتمل إلا بالدفاع عن حقه في أن يبقى نظيفًا وصالحًا للجميع.
الفيديو الذي توصلت به والذي يوثق الأزبال المتناثرة بين صخور “المون” لا يؤلم لأنه يكشف مشهدًا قبيحًا فحسب، بل لأنه يعكس صورة عن علاقتنا نحن بالمدينة.
فسرعان ما يبدأ البحث عن المسؤول: الجماعة، أو الوكالة الوطنية للموانئ، أو الإدارة، أو “الوافدون”، أو أي طرف آخر.
وكأن أول ما نفعله هو البحث عن شخص أو مؤسسة نعلّق عليها تقصيرنا، بدل أن نسأل: ما نصيبنا نحن من هذه الصورة؟
لا شك أن أي جهة عمومية يقع على عاتقها تدبير هذا الفضاء مطالبة بالقيام بواجبها في التهيئة والنظافة والصيانة. فذلك جزء من مسؤوليتها تجاه المواطنين.
لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية: الأزبال لم تصل إلى الصخور وحدها، بل حملتها أيدٍ بشرية وغادرت تاركة المكان خلفها.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا:
لماذا نميل دائمًا إلى لوم الآخر؟
لماذا يسهل علينا أن نتهم الإدارة أو المنتخب أو “الوافد”، بينما يصعب علينا أن نعترف بأن جزءًا من المشكلة يصنعه بعضنا، نحن أبناء هذه المدينة ورواد هذا المكان؟
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو سرعة البحث عن “الآخر” لتحميله المسؤولية، أكان وافدًا، أم إدارة، أم مؤسسة، أم منتخبًا.
والحال أن المدينة ليست ملكًا لفئة دون أخرى، كما أن السلوك المدني لا يرتبط بمكان الميلاد، والإهمال لا يحمل هوية.
لذلك فإن اختزال المشكلة في طرف بعينه لا يساعد على فهمها، بقدر ما يؤجل مواجهة مسؤوليتنا المشتركة.
إن الغيرة الحقيقية على المدينة لا تظهر فقط في انتقاد صور الأزبال، وإنما في تحويل هذا الانزعاج إلى مبادرات. أين حملات التحسيس؟ وأين المبادرات التطوعية لتنظيف الفضاء؟
وأين الجمعيات التي تجعل من حماية هذا المكان قضية مستمرة، لا رد فعل موسميًا كلما انتشر فيديو أو صورة؟
فالمدينة لا يصنعها المسؤول وحده، كما لا يفسدها المسؤول وحده. إنها حصيلة ما تفعله المؤسسات، وما يفعله المواطنون أيضًا، كل يوم، في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة.
يبقى “المون” أكثر من فضاء للاستجمام؛ إنه اختبار لطبيعة علاقتنا بالفضاء العام. فإذا كنا نحب هذا المكان حقًا، فلن يكون السؤال الأول: من المسؤول؟
بل: ماذا يمكن أن أفعل أنا حتى لا يتكرر هذا المشهد؟
فالمدن لا تنهكها قلة الإمكانات وحدها، بل ينهكها أيضًا أن يتحول الحق في استعمالها إلى استهلاك بلا إحساس بالمسؤولية. لذلك، لا يكفي أن نحب المدينة، بل ينبغي أن نتصرف كل يوم بما يثبت هذا الحب.
ولعل أبسط بداية هي أن يتحول حب “المون” إلى فعل.
فلنجعل من نظافته مسؤولية مشتركة، ولتكن المبادرات المدنية، إلى جانب قيام الجهات المعنية بواجباتها، رسالةً مفادها أن الفضاء العام ليس ملكًا لأحد، بل أمانة في عنق الجميع.





