الصقارة… حين يحلق التراث في سماء القواسم بقلم : نسيم الدكالي

admin12 أغسطس 2026Last Update :
الصقارة… حين يحلق التراث في سماء القواسم بقلم : نسيم الدكالي

الصقارة… حين يحلق التراث في سماء القواسم

بقلم : نسيم الدكالي

في موسم مولاي عبد الله أمغار، لا تحضر الخيل وحدها لتروي سيرة المكان، ولا يتكلم البارود وحده بلغة القبائل وذاكرتها.
هناك أيضا طير حر يحلق في سماء الموسم، يحمل معه حكاية أخرى، أقدم في جذورها، وأدق في تفاصيلها: حكاية الصقارة، أو “البيازة” كما يسميها أهلها.

وبينما اعتاد جمهور الموسم أن يرى في التبوريدة ذروة الفرجة، فإن حضور القواسم بصقورهم يفتح نافذة أخرى على تراث دكالة؛ تراث لا تختصره صورة صقر واقف على يد صاحبه، ولا لحظة انقضاضه في الهواء، وإنما تقف وراءه معرفة متراكمة، وطقوس، ولغة، وحركات، وقيم انتقلت من جيل إلى جيل. وفي هذا اللقاء بين الصقار والجمهور، لا يعرض القواسم طيورهم فقط، بل يعرضون جزءاً من ذاكرتهم .

علاقة دقيقة لا يخونها الصبر

عند القواسم، لم يكن الصقر مجرد طائر للصيد. كان جزءا من ذاكرة جماعية، ومن مهارة يتعلمها الابن عن الأب، ويحفظها الصقار كما تحفظ القبائل قصصها وأمجادها. ولذلك فإن “البيازة” ليست مجرد استعراض موسمي، بل هي، في جوهرها، علاقة دقيقة بين الإنسان والطير، تقوم على الصبر والترويض والخبرة وحسن المعاملة.

حتى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة للمتفرج تكشف عن عمق هذه المعرفة. فالقلنسوة التي توضع على عيني الصقر ليست حركة شكلية؛ وضعها يحتاج إلى هدوء ودقة، وتثبيتها ينبغي أن يكون محكما من غير أن يؤذي الطائر، كما أن نزعها يحتاج إلى العناية نفسها. وفي هذه التفاصيل الصغيرة تختبئ خبرة الصقار، وتظهر المسافة الكبيرة بين ما تراه العين في لحظة العرض وما يتطلبه إعداد الطير من معرفة وممارسة.

من بلاط السلاطين إلى فضاء الموسم

وللصقارة في المغرب تاريخ يتجاوز حدود الفرجة الحديثة. فقد ارتبطت هذه الممارسة عبر مراحل مختلفة بعالم السلاطين والملوك، وبالتبادل والهدايا والرموز الدبلوماسية.
وتذكر بعض المراجع أن الصقر كان من أثمن الهدايا التي تتبادلها الأسر الحاكمة، بما يحمله من دلالات تتجاوز قيمته كطائر جارح إلى معنى الصداقة والسلام والتوافق.

وفي دكالة، اتخذت هذه الممارسة خصوصية أوضح مع القواسم، الذين ارتبط اسمهم بالصقارة حتى أصبحت “بيازة القواسم” واحدة من العلامات التراثية المميزة للمنطقة. وتكشف الوثائق والشهادات المتداولة عن عناية خاصة حظي بها صقارو القواسم من السلاطين العلويين، وعن استمرار هذا الاهتمام إلى عهد الدولة المغربية الحديثة .

لكن الأهم أن هذا التراث لم يبق حبيس الوثائق. ففي موسم مولاي عبد الله أمغار، يجد الطير الحر طريقه إلى فضاء عام يلتقي فيه الصقار بالمتفرج، وتخرج فيه المعرفة القاسمية من مجالها القبلي إلى فضاء الموسم. وهنا يصبح “المحرك” أكثر من مجرد ساحة للفرجة؛ إنه أحد الفضاءات التي تتقاطع فيها ذاكرات الموسم، حيث تتجاور التبوريدة والصقارة، وحيث تتحول الممارسة التراثية إلى مشهد يراه الآلاف .

إشكاليات الفرجة وحتمية التطوير

وهنا بالضبط يطرح الموسم سؤالاً أكبر من الصقارة نفسها:
هل نقدم هذا التراث باعتباره فرجة، أم باعتباره معرفة حية تستحق أن تفهم وتروى وتنقل؟

فالتراث لا يعيش فقط لأنه يظهر مرة كل سنة. يعيش حين نفهمه، ونحفظ لغته، ونصون معارفه، ونعرف من حمله إلينا، ولماذا ظل حياً كل هذه السنوات.

ولعل أجمل ما في الصقارة أنها تذكرنا بأن التراث لا يحتاج دائما إلى أن يكون صاخبا حتى يكون عميقا.

فبينما يهز البارود فضاء الموسم، يكفي أن يرفع الصقار يده، وأن يحلق الطير، حتى تبدأ حكاية أخرى.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن اقتراح بعض الآليات لتطوير حضور الصقارة في الموسم، والارتقاء بها من مجرد عرض إلى تجربة تراثية متكاملة و ذلك عبر
إحداث فضاء تعليمي للبيازة إلى جانب عروض الصيد، حيث يمكن هذا الفضاء من تقديم شروحات للزوار عن مراحل ترويض الصقر، وأنواعه، وأدواته، بحيث يغادر الزائر الموسم وقد أدرك أن الصقارة ليست مجرد مشهد، بل علم وفن .

بالإضافة الى ربط الصقارة بمنتجات السياحة التراثية و تصميم برامج سياحية متخصصة داخل فضاء الموسم تتيح للزوار الأجانب والمهتمين بالتراث لقاء الصقارين، ومرافقتهم، وفهم خصوصية العلاقة بين الإنسان والطير .

كما ان لإشراك الباحثين والمؤرخين دور في تنظيم ندوات فكرية وموائد مستديرة، إلى جانب العروض الميدانية، تناقش البعد التاريخي والأنثروبولوجي للصقارة في دكالة، وتثري حضورها المعرفي إلى جانب حضورها الفرجوي .

فالتراث لا يعيش لأنه ظل كما هو، بل لأنه يعرف كيف يعاد إنتاجه في كل زمن. ومن هذه الزاوية، تصبح خيام القواسم وصقورها جزءا من ذاكرة موسم مولاي عبد الله أمغار، كما يصبح المحرك فضاء تتقاطع فيه صور متعددة للموروث الدكالي:

الخيل والبارود من جهة، والطير الحر من جهة أخرى

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News