العيطة والتبوريدة..
سيرة القبيلة في زمن التحولات الكبرى
بقلم : نسيم الدكالي

في موسم مولاي عبد الله أمغار، لم تكن التبوريدة وحدها ما يكسو المكان هالة وقداسة، بل كانت العيطة هناك، حاضرة كالحضور ذاته.
لا بوصفها طرازًا غنائيًا يُستعرض، بل بوصفها تلك الحكاية النابضة التي كانت القبائل تروي بها سيرتها، وتسمع فيها صدى صوتها في فضاءات التاريخ.
كان الموسم، في غابر أيامه، موسمًا تتجمع فيه القبائل من شتى أرجاء المغرب، لا تحمل خيلها وفرسانها فحسب، بل تحمل معها ألوانها الفنية وذاكرتها الجمعية التي لا تموت.
فلكل قبيلة نغمها الذي تمتاز به، ووقعها الذي تخشى أن يضيع.
وكان “علام السربة”، محاطًا بأعيان القبيلة وأكابرها، يعد في المساء لضيوفه تلك الحفلات التي لا تخلو من بهاء، حيث تُعرض محاسن الفنون، وتُستعاد ألوان الغناء التي تمثل الهوية.
فإذا انقضى النهار وعرضت السربة مهارتها في “المحرك”، عادت القبيلة في جنح الظلام إلى صوتها الأصيل، عبر العيطة التي تفيض بالوجع والأمل.
ولا شيء في هذا الباب كان يصدر عن مصادفة؛ فالعيطة، بما تحمله من دلالات النداء والاستنهاض، كانت على صلة روحية بـ”النهدة” التي تخلق ذلك المشهد الجماعي المهيب. نداء يستجيش الهمم، ويضم الشتات، ويهيئ النفوس للفرح العميق. صوت ينادي، وجماعة تلبي، وخيل تثب، وفرسان يتأهبون، فيتحول ذلك المشهد كله إلى فرجة شامخة، تتسع للروح قبل الجسد.
وهكذا، كانت العيطة والتبوريدة واجهتين لذاكرة واحدة لا تتجزأ:
فالعيطة هي نبض القبيلة، و”النهدة” هي صورتها المرسومة في حلبة المحرك.
لكن الزمن، بطبيعته المتقلبة، لا يهدأ على حال. فكما تحولت بنية المجتمع المغربي من نظام قبلي إلى تنظيم ترابي حديث، وكما تبدلت ملامح الاقتصاد من فلاحة تقليدية إلى اقتصاد متعدد الأنشطة، وتحول الإحساس بالانتماء من القبيلة إلى الجماعة الترابية ككيان إداري جديد، فإن هذه التحولات الجسام لم تكن لتترك الموسم وشأنه، ولا لياليه على ما كانت عليه.
هذه التغيرات السوسيواقتصادية العميقة جعلت من الموسم سوقًا مفتوحًا للاستثمار والترويج، ومن الفرجة صناعة تخضع لقوانين العرض والطلب. ومهدت الطريق لانتقال السلطة الثقافية من القبيلة إلى مؤسسات الدولة والجماعات الترابية، التي أصبحت هي الماسكة بزمام المبادرة:
تختار الفنانين، وتستقدم المستشهرين، وتبرم العقود مع شركات التنظيم، في مشهد يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة الموسم وغاياته.
وهكذا، بينما كانت القبيلة، بعلاميها وحكمائها، هي المخولة بتقديم صوتها الخاص، أصبحت السهرات في صورتها الجديدة تخضع لمنطق مركزي، يجمع أسماء وألوانًا مختلفة، وفق معايير شديدة الارتباط بتوجهات السوق التجارية والمستشهرين.
إن الأمر هنا، في العمق، لا يتوقف عند سؤال “من يغني ومن لا يغني”.
فالمسألة أشبه بجرح وجودي عميق: ترى، ماذا تبقى من صوت القبيلة في موسم كانت القبائل فيه هي التي تنسج خيوط صوته وتضع ألحانه؟
لقد اتسعت رقعة السهرة، وتضخمت جماهيريتها، وصارت فضاءً مفتوحًا على الفرق والأنماط.
لكن شيئًا من خصوصية الموسم وعبقه أخذ ينسحب في صمت، كالماء الذي يتسرب من غربال.
فالعيطة التي كانت تحمل، بكل اعتزاز، اسم القبيلة وذاكرتها، انقلبت إلى مجرد فقرة ضمن برنامج فني عام. والتعبير الذي كان ينبعث من صميم الجماعة صار يُختار لها من خارجها، بإرادة من لا يدرك أسرار مكنوناتها.
نحن لا ننشد العودة القسرية إلى الماضي، ولا نرمي إلى رفض التطور أو الانغلاق على الذات.
لكن السؤال الذي يلح بقوة، وينبغي أن ينصت له القائمون على هذا الموروث، هو:
هل يستطيع هذا الموسم أن يتطور ويتمدد في ظل هذا التحول المجتمعي الزاحف، دون أن يسلم من فقدان جواهر روحه التي كانت تنعشه؟
فالتبوريدة في حلبة “المحرك”، رغم بهائها، ليست وحدها الكفيلة بصيانة الهوية.
ولعل ليالي الموسم، في حقيقة الأمر، أحوج ما تكون اليوم إلى أن تستعيد تلك النفحة القديمة، وأن تعاود استنشاق شيء من تلك الروح الغابرة؛ حين كانت القبائل تغني هويتها وحكاياها، وحين كان النداء يسبق النهدة، وحين كانت الغبطة تتولد كأثر طبيعي لالتئام الناس حول أصواتهم وخيلهم الأصيلة، وبقية ذاكرة لا تزال تئن في صدورهم.
ولعل استعادة هذه الروح لا تحتاج إلى العودة بالموسم إلى الوراء، بقدر ما تحتاج إلى أن نمنح الماضي مكانًا داخل الحاضر. ويمكن أن يبدأ ذلك بإشراك القبائل نفسها في برمجة جانب من ليالي الموسم، باعتبارها حاملة لهذا الموروث ومالكة لذاكرته، لا مجرد جمهور يُطلب منه التصفيق لما يُختار له.
ولمَ لا تُخصص، مثلًا، ليالٍ للعيطة القبلية الأصيلة، تُستدعى إليها الفرق التي تحمل أسماء القبائل وألوانها، وتتنافس فيما بينها في فضاءات خاصة، على أن يكون لكل قبيلة صوتها وموروثها وحقها في أن تقدم نفسها كما تعرفها هي ؟
هكذا يمكن أن تتحول المنافسة من مجرد تنافس في عدد الحضور وقوة الاستعراض، إلى منافسة في حفظ الذاكرة وإحياء الموروث.
فالموسم لا يحتاج إلى أن يختار بين الماضي والحاضر، ولا بين الأصالة والتجديد. ما يحتاجه هو أن يجد صيغة تجعل الحداثة خادمة للذاكرة، لا بديلًا عنها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للعيطة ليس أن تختفي من الموسم، بل أن تبقى فيه…
منزوعة من القبيلة التي كانت تمنحها اسمها، وذاكرتها، ومعناها.
فالموسم الذي حافظ على صهيل الخيل، جدير بأن يحافظ أيضًا على صوت القبيلة.






