
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ياَ أيَتَّهَُا النفَّْسُ الْمُطْمَئِنةَُّ ارْجِعِي إلِىَٰ رَبِّكِِ رَاضِيةًَ مَرْضِيةًَّ فاَدْخُلِي فيِ عِباَدِي .وَادْخُلِي جَنتَّيِ ﴾
أيها الحضور الكريم ،
نجتمع اليوم في الذكرى الأربعينية لرحيل رجل لم يكن مجرد اسم عابر في سجل الحياة، بل كان صفحة مضيئة من صفحات العطاء، ورمزًا للكلمة الصادقة، والفن الهادف، والعمل الجمعوي النبيل. نجتمع لنستحضر ذكرى فقيدنا العزيز، الصحفي والمخرج المسرحي والفاعل .الجمعوي أمين حارسي، الذي غادر الدنيا بجسده، لكنه ترك في القلوب أثرًا لا يمحوه الزمن .
أربعون يومًا مرت على رحيله، لكنها لم تستطع أن تضعف حضور ذكراه، لأن الرجال الكبار لا يقاسون بطول أعمارهم، وإنما بعمق أثرهم، ونقاء رسالتهم، وما يتركونه من قيم في نفوس .الناس .
لقد كان الفقيد قلمًا حرًا، لا يساوم على الحقيقة، ولا يخشى في قولها لومة لائم. آمن بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة، فكان قريباً من هموم الناس، منحازًا لقضايا مجتمعه، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تبني الوعي، وأن تدافع .عن الحق، وأن تزرع الأمل .
وكان، رحمه الله، عاشقاً للمسرح، يرى فيه مدرسة لتربية الذوق، ومنبرًا لنشر القيم، وفضاءً لصناعة الإنسان. أخرج أعمالًا حملت هموم المجتمع، وآمن بأن الخشبة ليست مكاناً للفرجة .فقط، بل فضاء للحوار والتفكير والتغيير .
وفي المجال الجمعوي، كان حاضرًا حيث يكون الواجب. لم ينتظر الأضواء، ولم يبحث عن المناصب، بل كان يعمل في صمت، ويمنح من وقته وجهده وخبرته لكل مبادرة تخدم الإنسان والوطن. كان يؤمن أن خدمة المجتمع شرف، وأن التطوع رسالة، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه.للآخرين .
لقد عرفه الجميع بدماثة خلقه، وتواضعه، وابتسامته الصادقة، ورقي تعامله. كان قريباً من القلوب قبل أن يكون قريباً من الناس، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، ويزرع المحبة أينما حل.وارتحل .
إن فقدان أمين حارسي لم يكن خسارة لأسرته وحدها، بل خسارة لزملائه في الصحافة، ولأسرة المسرح، وللفاعلين الجمعويين، ولكل من عرف فيه إنساناً نبيلاً يحمل قلباً كبيرًا وروحًا.معطاءة أيها الأحبة،
إن الوفاء الحقيقي لا يكون بالدموع وحدها، بل بحفظ السيرة، واستكمال الرسالة، واستحضار القيم التي عاش من أجلها الراحل. فالإنسان يرحل، لكن المبادئ تبقى، والكلمة الطيبة تبقى ، .والعمل الصالح يبقى، والذكر الحسن يبقى .
وفي هذه الذكرى الأربعينية، نتوجه بخالص المواساة والدعاء إلى أسرته الكريمة، وإلى كل محبيه وأصدقائه وزملائه، سائلين الله تعالى أن يجعل صبرهم جميلاً، وأن يجزيهم خير الجزاء .على ما أحاطوه به من محبة ووفاء نسأل الله العلي القدير أن يجعل كل كلمة كتبها في ميزان حسناته، وكل عمل مسرحي قدمه صدقة جارية في صحيفته، وكل مبادرة خير شارك فيها نورًا يضيء قبره، وأن يبدل غربته في القبر بأنس رحمته، وأن يوسع مدخله، ويغسله بالماء والثلج والبرد، وينقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأن يكرم نزله، ويرفع درجته في عليين مع النبيين.والصديقين والشهداء والصالحين .
رحم الله أمين حارسي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته العطرة باقية في الذاكرة، شاهدة على أن الرجال الصادقين لا يموتون برحيل أجسادهم، وإنما يخلدون بما . زرعوه من خير، وما خلفوه من أثر طيب في حياة الناس .
إنا لله وإنا إليه راجعون







