ثور وكسوة الضريح…
حين تحمل «الهدية» ذاكرة الموسم
بقلم : نسيم الدكالي

في موسم مولاي عبد الله أمغار، لا تتوقف الحكاية عند الخيل والبارود، ولا تنتهي عند هدير البنادق وصيحات الفرسان. هناك طقوس أخرى، أقل صخباً، لكنها أكثر إثارة للأسئلة.
في اليوم الرابع من أيام الموسم، يتقدم موكب «الهدية» نحو الضريح. في مقدمته ثور مكسو بالأخضر، وخلفه يتجمع الحضور، في مشهد تختلط فيه الرمزية بالفرجة، والعادة بالذاكرة.
ما سر هذا الثور؟ ولماذا الأخضر؟ وما الذي تعنيه «الهدية» في موسم ظل، عبر الزمن، ملتقى للقبائل والذاكرة والروحانية؟
الثور الذي يساق في الموكب لا يقدم، بحسب القائمين على الطقس، باعتباره ذبيحة للولي، وإنما «هدية» تقدم للشرفاء الأمغار، حفدة مولاي عبد الله أمغار. وهذه التفرقة ليست تفصيلاً عابراً، لأنها تكشف أن الطقس، في وعي أصحابه، ينتمي إلى تقليد اجتماعي متوارث أكثر مما يقدم نفسه كشعيرة دينية.
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
فالهدية في الثقافة المغربية لم تكن مجرد شيء يقدم وينتهي أثره عند لحظة التسليم. كانت في كثير من الأحيان لغة اجتماعية قائمة بذاتها؛ لغة تقول إن العلاقة بين الجماعات لا تُحفظ بالكلام وحده، وإنما بالمبادرة والزيارة والعطاء واستمرار الصلة.
ولذلك تبدو «الهدية» في موسم مولاي عبد الله أمغار، قبل أن تكون مشهداً فرجوياً، امتداداً لعلاقة تاريخية بين القبائل والمكان ومن يرتبطون بضريحه.
وهذه الثقافة لا تتوقف عند طقس الموكب. فالموسم ظل، إلى جانب أبعاده الروحية والتراثية والاحتفالية، مناسبة تتجسد فيها أيضاً قيم العطاء والتضامن.
ومن بين مظاهر ذلك الهبة والعطايا الملكية التي تُقدَّم خلال الموسم، والتي توجه إلى الفئات المحتاجة، وتمنح للمستفيدين في إطار تقليد من التكافل والرعاية الاجتماعية المرتبط بالمناسبة.
وبذلك تلتقي «الهدية» في معناها التقليدي مع أشكال أخرى من العطاء داخل الموسم، وإن اختلفت الجهات والمرجعيات والوظائف:
هدية تحمل معنى استمرار الصلة، وعطايا تتخذ بعداً اجتماعياً وإنسانياً ملموساً.
أما الكسوة الخضراء، فتمنح المشهد بعداً بصرياً لا يمكن تجاهله. فالأخضر هنا ليس مجرد لون يزين الثور، وإنما جزء من لغة رمزية أوسع تحيط بالضريح وبالطقس نفسه. وبين الثور والكسوة والموكب، يصبح المشهد قابلاً للقراءة بأكثر من طريقة، بحسب موقع المتلقي منه.
هناك من يراه طقساً روحياً، ومن يقرأه باعتباره عادة اجتماعية متوارثة، وهناك من يكتفي برؤيته كواحد من مشاهد الموسم التي تضيف إلى الفرجة الشعبية شيئاً من خصوصيتها.
وربما تكون الحقيقة في مكان ما بين هذه القراءات.
فموسم مولاي عبد الله أمغار نفسه لم يكن، تاريخياً، فضاءً أحادي الوظيفة. لقد تداخل فيه الديني والاجتماعي والثقافي والاحتفالي، واستمر هذا التداخل حتى اليوم. ففي الوقت الذي تمتلئ فيه الساحات بالتبوريدة والفرسان والعيطة والحلقة، تستمر داخل الموسم أنشطة دينية من ذكر ومديح وسماع ودروس ومحاضرات ومسابقات في تلاوة القرآن.
إنها صورة لموسم لا يعيش على الماضي وحده، بل يحمل الماضي إلى الحاضر، أحياناً في طقوس واضحة المعنى، وأحياناً في طقوس تحتاج إلى من يشرحها ويعيد وضعها في سياقها.
وهنا تأتي «الهدية».
فالطقس، بالنسبة إلى المتابع، قد يبدو غريباً إذا اقتُطع من سياقه. لكن عندما يوضع داخل تاريخ الموسم وعلاقته بالقبائل وبالمكان وبالضريح، يصبح أكثر قابلية للفهم. وحتى العبارة التي يرددها المشاركون، «الهدية جبناها ليكم»، تختصر شيئاً من هذه الدلالة: نحن لا نأتي إلى المكان خالي الوفاض؛ نأتي بما يرمز إلى استمرار الصلة.
ومع ذلك، فإن هذا الطقس لا يعيش خارج الجدل.
فالقول إنه «هدية وليس ذبيحة» لا ينهي النقاش، لأن الحساسية الدينية المرتبطة بالضرائح والقرابين تجعل كل ممارسة من هذا النوع قابلة لتأويلات مختلفة. وهنا لا يبدو الحل في الدخول في معركة حول من يملك التفسير الصحيح، بقدر ما يكمن في تقديم الطقس كما هو: جزء من ذاكرة اجتماعية وثقافية لموسم مغربي عريق، مع ترك مسألة التقييم الديني لأهل الاختصاص.
وهذا الفصل مهم.
فليس مطلوباً من كل طقس تراثي أن يتحول إلى شعيرة دينية حتى يحتفظ بقيمته، كما أن الاحتفاء به لا يعني بالضرورة إضفاء قداسة دينية عليه. هناك مساحة ثالثة يمكن أن يحتلها التراث: مساحة الذاكرة والعادة والرمز.
ومن هذه الزاوية، تصبح «الهدية» مادة ثقافية بامتياز.
يمكن مثلاً أن يصاحب الموكب مستقبلاً شرح موجز يعرّف الزوار بتاريخ الطقس ومعناه، وأن تُوثق شهادات كبار السن والمشاركين فيه، حتى لا يبقى المشهد مجرد صورة لثور مكسو بالأخضر تتناقلها الهواتف، بينما يظل معناها غائباً.
فالفرجة وحدها لا تكفي لحماية التراث.
التراث يحتاج إلى أن يُروى، وأن يُشرح، وأن يُوثق، وأن يُمنح فرصة للتجدد من دون أن يفقد ملامحه الأصلية.
وفي هذا المعنى، قد تكون قيمة «الهدية» اليوم في أنها تطرح سؤالاً أكبر من الثور والكسوة: كيف نحافظ على طقس قديم في زمن تغيرت فيه نظرة الناس إلى كثير من العادات والممارسات؟
الإجابة ليست بالضرورة في إلغائه، ولا في تحصينه ضد النقد.
بل ربما تكون في فهمه.
فموسم مولاي عبد الله أمغار ليس متحفاً مغلقاً، وإنما تراث حي. وما دام حياً، فمن الطبيعي أن تتغير طرق قراءته، وأن تطرح حوله الأسئلة، وأن يعاد تقديمه للأجيال الجديدة.
الثور المكسو بالأخضر سيواصل، على الأرجح، طريقه نحو الضريح.
لكن الأهم أن يعرف الذين يتابعونه اليوم: ماذا يحمل هذا الموكب معه؟
ربما يحمل ثوراً.
وربما يحمل، قبل ذلك، ذاكرة موسم بأكمله.





