حديث ” الدوارة” بقلم : عزيز لعويسي

admin7 يونيو 2025Last Update :
حديث ” الدوارة” بقلم : عزيز لعويسي

حديث “الدوارة”

بقلم : عزيز لعويسي

من حسنات القرار الملكي، بخصوص نحر أضحية العيد، أنه حرر شرائح واسعة من المواطنين، ورفع عنهم الحرج، في ظل سياق اجتماعي واقتصادي، مطبوع بتراجع مقلق للقطيع الوطني من الأغنام والأبقار، نتيجة تعاقب سنوات الجفاف، وموسوم بارتفاع الأسعار وصعوبات العيش، ومن مزاياه، أنه كبح جماح تجار الأزمات من “الشناقة”، الذين كانوا يتأهبون، لشنق جيوب البسطاء والفقراء والمحتاجين، بدون خجل أو حياء؛

القرار الملكي المتبصر، الذي جاء كاستجابة لنبض الشارع المغربي، وانقادا للقطيع الوطني من الماشية، في أفق إعادة تكوينه بشكل مستدام، كان يفترض أن يوازيه انضباط والتزام من جانب عموم المواطنين، من أجل الإسهام الفردي والجماعي، في الترجمة الفعلية للمقاصد التي تحكمت فيه، لكن ما حدث، في الأسواق الأسبوعية، من هرولة لاقتناء أضحيات العيد، تحت يافطة “العقيقة” و”الأعراس” و”الصدقة”، وما جرى أمام محلات الجزارة، من تهافت لشراء “الدوارة”، التي تضاعف ثمنها أضعافا مضاعفة، في ظل حدة الطلب عليها، هي سلوكات ومممارسات غير مسؤولة وغير مبررة؛

ومهما برعنا في توصيف ما حدث في الأسواق الأسبوعية والممتازة و”الجوطيات”، من مظاهر “اللهطة” العصية على الفهم والإدراك، فالثابت، أن المواطنين هم الراعي الرسمي للشناقة بكل أصنافهم ودرجاتهم، والحطب الذي يغذي نيران الأسعار ، والمبرر الموضوعي والواقعي، الذي يدفع “البياعة” و”الشراية”، للتمادي في ممارسة رياضة الجشع والطمع والأنانية والرغبة الجامحة في الحصول على المزيد من الأرباح والمكاسب، في غياب سلطة الرقابة والضبط والزجر، أو على الأقل ترددها أو تقاعسها في ضبط إيقاع السوق، والتصدي لتجار الأزمات، حماية للمستهلك وقدرته الشرائية؛

“الدوارة” وما فوقها وتحتها، ماهي إلا مرآة عاكسة لمجتمع متناقض تماما، بات أسير ثقافة الأنانية والجشع والمصلحة العمياء والعبث وقلة الحياء، وعلامة بارزة دالة على مواطنين “مع وقف التنفيذ”، لم يعد في قاموسهم موضع قدم للالتزام والانضباط والمسؤولية والتضامن والتعاضد، إلا الفوضى والعشوائية والتسيب و”اللهطة” و”اللهفة”، وفي ظل هذه العقليات السائدة، لا يمكن إلا أن نخاف على هذا الوطن العزيز، الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى مواطنين حقيقيين، ملتزمين ومنضبطين ومتضامنين ومتماسكين، يضعون مصلحة الوطن وقضاياه المصيرية فوق كل اعتبار؛

القرار الملكي الرشيد بخصوص نحر أضحية العيد، كان من المفروض أن يكون فرصتنا جميعا، للتعبير عن مشاعر المواطنة وما تقتضيه من انضباط والتزام ومسؤولية، وتجديد دماء صلاتنا بتامغرابيت، والتجسيد الأمثل لما يربط الأمة المغربية من ثوابت جامعة، لكن الممارسات غير المسؤولة للبعض منا، جعلتنا نخسر الرهان، ونفشل في الامتحـان، فغاب الوطن واختفت القيم الوطنية الحقة، وحضرت “الدوارة” و”الراس” و”الكرعين” و”بولفاف” و”الشوا”، والنتيجة المؤلمة، أننا قسونا على القطيع الوطني من الأبقار والأغنام، في سياق طبيعي واجتماعي يقتضي “العناية” و”الحماية”، ومنحنا “الشناقة” أكثر من فرصة، لشنق جيوبنا وتدمير قدرتنا الشرائية أو ما تبقى منها، وعيد الأضحى القادم، لم يعد لمن هرول إلى الأسواق ومحلات الجزارة بحثا عن اللحوم والدوارة، الحق في البكاء أو الصراخ أو الشكوى أو الاحتجاج؛

ولا يمكن أن نترك ما حصل من “لهطة” و”لهفة” قبل العيد، دون مساءلة السياسات والمخططات الحكومية المتعاقبة، قياسا للوضعية الحرجة التي آل إليها القطيع الوطني، ودون التوقف الاضطراري عند إشكالية بعض “العقليات السائدة” في المجتمع “الملهوطة” و”المهيوفة”، التي معها وفي ظلها، تختفي القيم الوطنية الحقة، وما يرتبط بها من التزام وانضباط ومسؤولية ونكــران ذات، وهذه العقليات “اللحمية” العجيبة، أصبحت جزءا مما بتنا نعيشه من غلاء مرعب، بعدما تحولت إلى شريك ومساهم حقيقي، في إنتاج ثقافة الجشع والاحتكار والعبث والأنانية والمصلحة، وراعي رسمي لتجار الأزمات والمآسي من “الشناقة”، الذين تحولوا إلى ظاهرة عابرة للمهن والحــرف، ما يجعلهم أكبر تهديد يتربص بالوطن، ويحرمه من فرص التحرر والانعتاق والسيادة، والمصلحة العليا للوطن، تقتضي التصدي لهؤلاء بكل مسؤولية وحزم، كما تقتضي الرهان على التعليم الناجع والمنتج والعادل والمنصف والفعال، لبناء الإنسان/المواطن، الذي يكون شريكا في صناعة التقدم والرخاء والازدهــار. ومسك الختام .. عيد مبارك سعيد، لكل مواطن منضبط وملتزم ومسؤول، لا يخرج عن دائرة الإجماع، ويضع “الوطن” فوق كل اعتبــــار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News