رمضان… شهر الزهد الذي نُصرّ على استقباله بالشراهة

admin21 فبراير 2026Last Update :
رمضان… شهر الزهد الذي نُصرّ على استقباله بالشراهة

رمضان… شهر الزهد الذي نُصرّ على استقباله بالشراهة

بقلم : محمد أمين سملالي

حين يطل علينا شهر رمضان الكريم، لا يظهر الهلال في السماء وحده، بل تعلن الأرض كلها حالة استنفار غريبة. فجأة، يصير الناس في موعد مع مشروع نهضة شاملة: إصلاح المعدة، والروح، والجسد، والنوم، والعلاقات… وكأن الشهر الفضيل لا يدخل بهدوء وبركة، بل يطرق الباب ومعه قائمة مهام بطول العام كله.

رمضان شهر صيام، نعم.
شهر تقوى وروحانية، بلا شك.

لكننا، نحن المغاربة، نصر أحيانا على جعله شهر تغيير جذري شامل خلال مدة 48 ساعة فقط… وكأن الجسد جهاز يمكن إعادة ضبطه بزر سحري.

الشراهة تحت لافتة الزهد

الصيام في جوهره امتناع وتقليل،
لكن استعدادنا له عند بعضنا يبدو كأنه خطة تموين لسنوات قادمة.

قبل رمضان بأيام، تتحول الأسواق المغربية إلى ميادين معارك. عربات التسوق تمتلئ عن آخرها، والرفوف تفرغ بسرعة تثير الريبة، فتصبح المواد الغذائية مواد استراتيجية كأننا في زمن حرب.
نشتري كأننا سنصوم عن الهواء، لا عن الطعام والشراب.

ولا يقف أثر هذا الإقبال الاستهلاكي عند حدود موائدنا فقط، بل يمتد إلى السوق نفسه. فمع ارتفاع الطلب، تبرز سلوكات أخرى لا تقل تناقضاً مع روح الشهر: ارتفاع مهول في الأسعار، واستغلال موسمي لا يجد حرجاً في تحويل رمضان إلى فرصة لزيادة الأرباح.

وعندما يُطرح السؤال البسيط:
لماذا هذا الغلاء المفاجئ؟

تأتي الإجابة الجاهزة: “تكاليف النقل”.

وكأن الطماطم تصل إلى الأسواق على متن الطائرات، أو أن السردين يشق طريقه عبر القطار فائق السرعة!

مبررات تتكرر كل عام، تخفي وراءها واقعاً أقل براءة: طلب مرتفع يُستثمر فيه بلا رقيب، وسوق موسمية تُدار أحياناً بمنطق الندرة المصطنعة لا بمنطق المسؤولية.

وهكذا، لا نكتفي بتحويل موائدنا إلى معارض للاستهلاك المفرط، بل نشارك—بوعي أو بدونه—في تغذية حلقة مفرغة:
نُقبل على التخزين، فترتفع الأسعار، ثم نشتكي من الغلاء الذي ساهم سلوكنا في صناعته.

ثم تأتي مائدة الإفطار…

لا، ليست بمائدة، بل معرض دولي للأطباق. كل طبق يمثل ثقافة مستقلة، وكل صحن يحمل رسالة إنسانية. والمعدة المسكينة، هذا العضو المسالم، تُجبر على استقبال وفود ثقيلة دون استشارة مسبقة.

نتحدث عن فضائل الزهد ونحن نتفنن في فنون الامتلاء.
نمدح الاعتدال، ثم نتفاجأ بأن أجسادنا لا تتحمل هذا “الكرم المكثف”.

الثورة الرياضية الموسمية

وقبيل رمضان بأيام، يكتشف نصف المجتمع فجأة أن لديه عضلات كانت في سبات عميق. تُحجز الاشتراكات في القاعات الرياضية، وتُكتب “خطط التحول الجذري”، وتُرفع الشعارات: هذا رمضان الصحة والانضباط.

بعد أحد عشر شهراً من الخمول الرياضي، ننتقل فجأة إلى تدريبات مكثفة قبل الإفطار وبعده. جسد صائم نهاراً، ممتلئ ليلاً، ثم يُطلب منه أن يصبح عداءً محترفاً في أسبوعين.

ولا حاجة لاستشارة مختص، فهناك تطبيق مجاني، وفيديو تحفيزي مدته دقيقة، وشخص على مواقع التواصل خسر “12 كيلوغراماً في شهر”.
العلم؟ الحالة الصحية؟ التدرج؟

كلها تفاصيل ثانوية أمام حماسة موسمية لا تعرف التأني.

زمن “الخبير العابر”

مع اقتراب رمضان، يخرج علينا جيش من المتخصصين الافتراضيين:
خبير في الصيام المتقطع،
واستشاري في إزالة السموم،
ومحلل لمواعيد النوم المثالية،
وباحث مستقل في أسرار التمر والحريرة.

الوصفات تنتشر بسرعة الضوء:
اشرب هذا قبل الفجر،
وامتنع عن ذاك بعد المغرب،
ونم ثلاث ساعات فقط،
أو لا تنم إطلاقاً،
وكل الفاكهة،
ولا تأكل الفاكهة.

المرجع العلمي؟ “قرأت منشوراً.”

التجربة السريرية؟ “صديق جرب ونجح.”

وهكذا يتحول الجسد إلى مختبر تجارب، والنوم إلى ضحية جانبية، والمعدة إلى حقل اختبارات مفتوح.

المفارقة الهادئة

رمضان في جوهره مدرسة لضبط الإيقاع.
هو تدريب على التوازن، لا على التطرف.
هو دعوة إلى البساطة، لا إلى المبالغة.

لكننا نحوله أحيانا إلى سباق تغييرات عشوائية:

نُرهق الجسد باسم الصحة،
ونُثقل المعدة باسم الكرم،
ونُربك النوم باسم العبادة،
ثم نتساءل بعد أسبوع:

لماذا نشعر بالتعب والإرهاق؟

نعود إلى نقطة البداية، لكن بإرهاق أكبر وهموم أثقل…

بين النية الحسنة والفوضى المنظمة

ليست المشكلة في الرغبة في التغيير،
بل في تحويل التغيير إلى عرض موسمي بلا بوصلة.

التقوى لا تحتاج إلى تخزين مفرط.
والصحة لا تحتاج إلى مغامرات غير مدروسة.
والرياضة لا تبدأ بحماس انفعالي بعد وجبة دسمة.

ربما كان رمضان، في بساطته العميقة، يدعونا إلى شيء أكثر هدوءاً ورصانة:
قليل من الطعام،
وقليل من الضجيج،
وكثير من الوعي.

لكننا أحياناً نصر على استقباله كأننا مشاركون في بطولة عالمية للإجهاد الجماعي.

كلمة أخيرة من القلب

إذا كان صيامك سيزيد استهلاكك بدل أن يخففه،
أو كان ذريعة لترك العمل والدراسة،
أو سبباً للغضب وإيذاء الناس بكلامك…
فأنت ترهق نفسك بلا ثمرة.

العبادة وجدت لتصلحك أنت، لا لتقنع الآخرين بك.
فإن لم يهذب الصيام سلوكك، ويخفف من شهواتك، ويعلمك ضبط نفسك،
فهو مجرد مشقة بلا معنى.

صيامك لك…
إما أن يرقيك،
أو تحتاج أن تراجع الطريقة قبل أن تراجع المائدة.

رمضان كريم…
ولعلنا هذا العام نختار التوازن بدل الاستعراض، والوعي بدل الضجيج، والسكينة بدل الفوضى.

فقط لنجرب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Comments تعليق واحد
Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
  • Ali anass
    Ali anass 22 فبراير 2026 - 2:15

    مع الاسف ، ه‍ذه ه‍ي ثقافة الأغلبية

Breaking News