غابة الحوزية… من يخذل رئة إقليم الجديدة ؟ بقلم : محمد أمين سملالي

admin2 يونيو 2026Last Update :
غابة الحوزية… من يخذل رئة إقليم الجديدة ؟ بقلم : محمد أمين سملالي

غابة الحوزية… من يخذل رئة إقليم الجديدة ؟

بقلم : محمد أمين سملالي 

تقع غابة الحوزية بين الجديدة وأزمور، على الشريط الساحلي، وضمن النفوذ الترابي لجماعة الحوزية وإداريًا لإقليم الجديدة. وهذا الموقع يجعلها فضاءً طبيعيًا مشتركًا، لا يخص جماعة بعينها، بل يشكل متنفسًا بيئيًا وسياحيًا لسكان الإقليم بأكمله.

في الجديدة وإقليمها عمومًا، لا يبدو الإهمال مجرد حالة عابرة، بل يتحول في بعض الفضاءات إلى نمط متكرر. وغابة الحوزية واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك؛ فهي ليست مساحة خضراء ثانوية، بل رئة طبيعية للمدينة والإقليم، ومتنفس يومي للرياضيين وهواة المشي والجري، وملاذ للأسر التي تبحث عن لحظة هدوء وسط ضغط عمراني متزايد.

كما أن الغابة تُعد مؤهلاً بيئيًا وسياحيًا مهمًا، بحكم امتدادها الطبيعي وقربها من الشريط الساحلي وأجمل الشواطئ بالإقليم، ما يجعلها قابلة لأن تكون فضاءً نموذجياً يجمع بين البيئة والترفيه والسياحة. غير أن الواقع الحالي يعكس مسارًا مغايرًا تمامًا، عنوانه: إهمال، غياب رؤية واضحة، وضعف في التأهيل والتثمين.

المسارات داخل الغابة، والتي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمرتاديها، ما زالت في أغلبها غير مهيأة، تفتقر إلى الصيانة والتشوير والتنظيم. لا علامات إرشادية واضحة، ولا بنية استقبال أو تهيئة تليق بفضاء طبيعي بهذا الحجم والأهمية. وكأننا أمام مجال مهمل خارج أي تصور حضري متكامل، بدل أن يكون متنفسًا مندمجًا في رؤية تنموية حقيقية.

والأكثر إشكالًا أن بعض التدخلات أو المشاريع التي تظهر داخل محيط الغابة أو بمحاذاتها تبدو في أحيان كثيرة غير منسجمة مع طبيعتها البيئية والحساسة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من يقرر؟ وبأي رؤية؟ وأين هي الحكامة التي تضمن التوازن بين حماية هذا الرصيد الطبيعي وأي استثمار أو تهيئة محتملة؟ فالغابة ليست وعاءً فارغًا للتجريب، ولا عقارًا مفتوحًا للتصرفات المرتجلة، بل كيان حي وثروة مشتركة وذاكرة مكانية لا تحتمل العبث.

وفي مقابل مسؤولية التدبير، لا يمكن إغفال جانب السلوك اليومي لبعض المرتادين، حيث تسجل مظاهر رمي الأزبال والاستهتار بفضاء يفترض أن يُعامل كمجال مشترك ومحمِي. غير أن هذه الممارسات، رغم خطورتها، لا تعفي الجهات المسؤولة، بل تزيد من حجم مسؤوليتها في التنظيم والمراقبة والتأطير والتوعية، لأن الفضاءات العمومية لا تُحمى بالخطاب فقط، بل بالحضور الفعلي والتدبير المستمر.

المفارقة أن الجديدة، في هذا الباب، تبدو متأخرة مقارنة بعدد من المناطق التي قطعت أشواطًا في تأهيل فضاءاتها الخضراء وتثمين مواردها البيئية. بينما تستمر المدينة في إنتاج نفس الصورة: مشاريع متعثرة، أوراش غير مكتملة، وفضاءات طبيعية تُترك دون عناية كافية. وغابة الحوزية ليست إلا مرآة مكثفة لهذا الاختلال في ترتيب الأولويات.

إن الأزمة هنا لا تتعلق فقط بضعف التجهيز، بل بغياب رؤية تعتبر أن التنمية الحقيقية تبدأ من حماية ما يمنح المدينة روحها: بيئتها، هواءها، فضاءاتها الطبيعية، وحق سكانها في جودة عيش لائقة. فالإسمنت وحده لا يصنع مدينة، كما أن المشاريع المعزولة لا تصنع تنمية مستدامة.

اليوم، تحتاج غابة الحوزية إلى قرار واضح وشجاع، يتجاوز منطق التدخلات الجزئية، نحو تأهيل شامل ومنسجم: تهيئة المسارات، التشوير، التنظيم، حماية الطابع البيئي، منع كل ما يهدد توازنها الطبيعي، وتعزيز المراقبة والتسيير المسؤول. دون ذلك، ستظل الغابة عنوانًا مفتوحًا على مزيد من التدهور.

إن غابة الحوزية ليست عبئًا على الإقليم، بل أحد أهم ما تبقى له من كرامة بيئية. ومن يخذلها، لا يخذل مكانًا فقط، بل يخذل الجديدة وإقليمها بأكمله.

محمد امين سملالي

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News