فن الحلقة…
حين تغيب روح الحكاية عن موسم مولاي عبد الله أمغار
بقلم : نسيم الدكالي
في جوهره العميق، لا يُختزل موسم مولاي عبد الله أمغار في صهيل الخيول التي تقطع صمت السهوب، ولا في دوي البارود الذي يرسم دوائر الرهبة في فضاء المحرك. فالموسم، في روحه، كائن حي يتنفس بتعدد تعبيراته، وتتقاطع داخله أصوات الفرسان مع أصوات الحكواتيين، وتجد الذاكرة الشعبية فضاءً تستعيد فيه حكاياتها وأمثالها وأشعارها.
كانت الحلقة، في زمنها، أحد أهم نبضات هذا الجسد التراثي، مسرحاً شعبياً صغيراً تدور فيه الدنيا حول حكواتي لا يملك سوى كلمته وحضوره وأسرار الحكايات التي يحملها.
كانت فضاءً مفتوحاً للزجل، والأمثال الشعبية، والنوادر، والأخبار المتداولة، والفكاهة التي لا تكتمل إلا بتفاعل الناس مع راويها.
لكن الحلقة تغيب اليوم للسنة الثانية على التوالي، وكأن شيئاً ما في كيمياء الموسم قد تغير، وكأن المكان بدأ ينسى أنه كان يعرف كيف يصغي إلى الحكواتيين، أولئك الذين كانوا يصنعون الفرجة بالكلمة قبل أي شيء آخر.
وإذا كان التساؤل عن أسباب هذا الغياب مشروعاً، فإن السؤال الأعمق ربما هو:
هل غيّرنا نحن تعريفنا للتراث؟
هل أصبحنا نكتفي بعرض التراث بوصفه صورة جميلة للاستهلاك البصري، بينما نهمل ممارسته باعتباره جزءاً من الحياة اليومية؟
فالتهديد الحقيقي للتراث لا يكمن دائماً في اختفائه المفاجئ، بل قد يبدأ حين يتحول إلى قطعة جميلة في واجهة معرض، بينما تتراجع جذوره من الشارع، ومن الساحات، ومن فضاءات الممارسة المباشرة.
فالمحرك لم يكن يوماً مجرد ساحة للعروض. كان فضاءً تتعدد فيه أشكال الفرجة، وتتجاور داخله عناصر مختلفة من الذاكرة الشعبية.
هناك صهيل الخيول، ودوي البارود، وحكايات الحلقة، وتلك العلاقة المباشرة بين الفنان والجمهور التي تجعل التراث فعلاً حياً لا مجرد عرضٍ منظم.
أما اليوم، ومع تزايد ضغط العروض والأنشطة داخل الفضاء نفسه، يبقى السؤال قائماً:
هل غياب الحلقة نتيجة قرار هيكلي؟
أم أن الفضاء أصبح محكوماً بلوجستيك العروض الكبرى إلى درجة لم تعد تترك للحكواتي فسحته؟
لا نحتاج إلى إطلاق الأحكام، بقدر ما نحتاج إلى وضوح في الرؤية، وإلى جواب صريح عن سؤال أبناء المحرك وزوار الموسم:
هل سنسمع من جديد صوت الحكواتي، أم أن المكان ينسى تدريجياً أحد أصواته القديمة؟
فالتراث الحي يحتاج إلى فضاء يُمارس فيه، وإلى جمهور يتفاعل معه، وإلى رعاية تحميه من الزحام والنسيان.
ومع ذلك، فإن غياب الحلقة للسنة الثانية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الحكاية.
فالفرصة ما تزال قائمة لإعادة الاعتبار إليها، ولكن ليس من خلال حنين عاطفي إلى الماضي، وإنما عبر تصور جديد يجعلها قادرة على الاستمرار والتجدد.
ولعل البداية تكون من تخصيص فضاء ثابت للحلقة داخل المحرك، بعيداً عن ضغط الأنشطة الأخرى، مع وضع برنامج يومي واضح يضمن حضورها واستمراريتها طوال أيام الموسم.
كما يمكن تنظيم لقاءات تحضيرية قبل الموسم تجمع الحكواتيين وفناني الفرجة الشعبية، بهدف التأطير والتكوين وتجديد المحتوى، وتنويع المواضيع بين التاريخ والأمثال والشعر والسير والنوادر.
ومن المهم أيضاً فتح المجال أمام “الحلقة الشبابية”، من خلال ورشات تدريبية في الحكي والإلقاء والتفاعل مع الجمهور، حتى لا يبقى هذا الفن مرتبطاً بجيل واحد، وحتى يجد طريقه إلى جيل جديد قادر على حمله وتطويره.
ويمكن للحلقة كذلك أن تنفتح على باقي مكونات الموسم، فتكون مدخلاً لحكاية تاريخ التبوريدة، وسير الفرسان، وأسرار الصقارة، وشخصيات الموسم وذاكرته، بما يخلق تكاملاً بين مختلف أشكال التراث بدل أن تعمل كل واحدة منها في عزلة عن الأخرى.
ولمزيد من التحفيز، يمكن التفكير في إحداث جائزة سنوية لأفضل حكواتي، إلى جانب الانفتاح على تجارب محلية وعربية متخصصة في فنون الحكي، وتبادل الخبرات معها، وإحياء ليالي الحكاية في فضاءات موازية، كالخيام والمدرجات المفتوحة.
لقد آن الأوان لاستعادة الحلقة مكانتها داخل موسم مولاي عبد الله أمغار، لا باعتبارها مجرد فقرة إضافية في برنامج للفرجة، وإنما باعتبارها جزءاً من ذاكرة المكان وروحه.
فالتراث لا يُصان بمجرد توثيقه، ولا يعيش بمجرد عرضه، وإنما يستمر حين يُمارس ويُتداول وتتناقله الأجيال.
وموسم مولاي عبد الله أمغار، في النهاية، ليس صورة جامدة معلقة على جدار الذاكرة، بل قصيدة حية تتعدد أبياتها.
والحلقة واحدة من تلك الأبيات التي لا ينبغي أن تسقط من القصيدة.





