أصداء مازغان : بقلم : ذ بوشعيب السحنوني
جلس محمود في زاوية الغرفة الضيقة يرتجف كطائر كسرت جنحاه.كان يبكي في صمت ،وصمته ذاك لم يكن سوى صرخة مكتومة ، لو سمعت لأيقظت في القلوب ما تبقى من رحمة. ولد محمود فقيرا ،في هذه الحياة البئيسة ،أين يعيش أو كيف يواجه ذئابها البشرية التي تنهش الضعفاء. هذا الشاب الفقير الذي يبلغ من العمر خمسة عشرة سنة له أم كبيرة في السن وأب يتلقف بعض الدراهم لعلها تكفيهم لقوت يومهم ،كان يعمل في دكان قديم مقابل أجر لا يكاد يكفي قوت يومه.صاحب الدكان ،سليمان ،رجل قاس لا يرى في العمال سوى آلات تعمل ولا تشتكي.ومع ذلك ،كان محمود يتحمل كل شيئ،محتفظا في قلبه ببصيص أمل لا ينطفئ.
لكن الأزمة بدأت حين اتهم ظلما بسرقة مبلغ من المال إختفى من الدكان .لم يجد من يدافع عنه،وأراد سليمان طرده فورا.خرج محمود تلك الليلة يجر أذيال الخيبة،يشعر وكأنه الحياة تلفظه للمرة الأخيرة.جلس على الرصيف ،يحدق في المارة ،وتسائل:هل كتب علي أن أبقى في هذا الظلام؟ لكن لحظة الإنكسار تلك كانت العقدة التي غيرت كل شيء.حين يولد النور من رحم الأمل وفي اليوم التالي ،بينما الشاب يبحث عن عمل،إلتقى برجل مسن إسمه “الحاج اسماعيل”صاحب ورشة صغيرة لصناعة الخشب.رأى في عيني محمود صدقا نادرا وعرض عليه أن يعمل معه ولو بشكل مؤقت.
بدأ محمود يعمل بصمت واجتهاد، يتعلم ويراقب ،ويتقن. أعجب الحاج اسماعيل بذكائه وحرصه ،وعلمه أصرار المهنة. لم يمض وقت طويل حتى صار محمود اليد اليمنى له، وصارت منتجاته تجذب الزبائن لجودتها وإتقانها.لكن القدر امتحنه مرة أخرى…مرض الحاج اسماعيل مرضا شديدا،وأصبحت الورشة مهددة بالإغلاق.وقف محمود حائرا بين خوفه على مستقبله ووفائه للرجل الذي منحه فرصة الحياة.اختار الوفاء وتولى إدارة الورشة،وبذل كل طاقته في تسويقها وتطوير العمل.صنع قطع أثاث بمهارة عالية ،ونشر صورها عبر الإنترنت،شيئا فشيئا بدأ الطلب يزداد حتى لفتت أعماله أنظار أحد التجار الكبار. هنا حين يثمر الصبر حيث عرض التاجر على محمود شراكة حقيقية ،بعد أن تأكد من إخلاصه وجودة عمله.ومع مرور السنوات ،توسعت الورشة الصغيرة لتصبح مصنعا كبيرا يحمل إسم “مصانع محمود للأثاث” اشترى محمود بيتا واسعا لعائلته،وساعد الفقراء لأنه لم ينس يوما أنه كان واحدا منهم،أما صاحب الدكان سليمان فقد مر عليه الزمن وأغلق متجره بعد تراجع رزقه،ورغم كل ما فعله ،لم يحمل محمود ضغينة ،بل قدم له يد العون وتقديرا لقيمة العفو.وقف محمود على شرفة مصنعه،يتأمل العمال الذين يعملون تحت إدارته ،وتذكر تلك الليلة التي جلس فيها مكسورا على الرصيف.
إبتسم لنفسه وقال:”لو لم أكسر يوما…لما تعلمت كيف أنهض.”لكن النجاح لا يأتي بلا أعداء…مع انتشار منتجاته وجودتها ،بدأ بعض التجار يشعرون أن نفوذهم في السوق مهدد.كان أبرز هؤلاء تاجرا يدعى سفيان ،رجل شديد الطمع يملك نفوذا واسعا لا يقبل بظهور منافس يشتهر بالنزاهة والجودة.اجتمع سفيان مع إثنين من التجار ،واتفقواعلى إسقاط محمود بأي وسيلة،حتى لو كانت قذرة.بدأوا أولا بإشاعة الأكاذيب :”محمود يسرق التصاميم…منتجاته مغشوشة…مصنوعه غير مرخص… .”لكن تلك الإشاعات لم تكف، لأن الناس كانوا يعرفون أمانة محمود وجودة عمله.لينتقلوا إلى خطة أكثر ظلما…في ليلة مظلمة ،وبينما كان محمود عائدا من المصنع ،باغته ثلاثة رجال واعتدوا عليه بالضرب المبرح.سقط على الأرض والدماء تسيل من وجهه .وأثناء هروبهم ،تركوا في جيبه كيسا صغيرا مليئا بمادة مخدرة، ثم اتصلوا بالشرطة مدعين أن محمود يتاجر بالمخدرات استيقظ محمود في المستشفى ليجد نفسه متهما بجريمة لم يرتكبها.شعر وكأنه يعود إلى اللحظة التي اتهم فيها ظلما في شبابه…لكن هذه المرة كان الخطر أكبر ،ومستقبله كله على محك. لكن القدر لم يتركه وحده…ليتدخل عبد الرحيم الشاب الفقير الذي عمل مع محمود منذ سنوات ،كان يعتبره أخا أكبر ،جمع الأدلة ،وسجل شهادات العمال ليثبت أن محمود كان أمينا صادقا في تجارته.وذهب عبد الرحيم عند المحامية المعروفة بأخلاقها وحبها للمهنة ألاء هذه المحامية التي لم تخسر ولا قضية من قضاياها ،تبرعت بالدفاع عنه لأنها تؤمن ببراءته، خصوصا بعدما رأت آثار الضرب على جسده،أما الحاج اسماعيل رغم مرضه جاء الى المحكمة بشق الأنفس ،ووقف يشهد على أمانة محمود وإخلاصه منذ بداياته.خلال التحقيق ،أظهرت كاميرات الشارع ثلاثة رجال يتربصون بمحمود ليلة الإعتداء،كما إكتشفوا أن أحدهم يعمل عند سفيان ،تحولت القضية من اتهام محمود…الى فضيحة مدوية ضد التجار الفاسدين.تمت تبرئة محمود بفضل الله وتواضعه الدائم أمام الجميع ،بل كرم على شجاعته وصبره،خسر سفيان سمعته وتجارته،وأغلقت شركاته بعد انكشاف فساده.أما محمود فقد أصبح حديث الناس:”الرجل الذي انتصر على الظلم بالصبر والنزاهة،لا بالرد على الشر بالشر.زاد إقبال الناس على منتجات مصنعه،وتوسع المشروع حتى أصبح من أكبر مصانع الأثاث في المدينة.ولم ينس محمود ضعفه القديم ،فخصص جزءا من أرباحه لدعم الشباب الفقراء وتدريبهم.وفي مساء هادئ،وقف على شرفة مصنعه الكبير يتأمل العمال والضوء المنبعث من الورش وقال:كنت طائرا مكسور الجناحين …لكنني تعلمت أن الطيران لا يحتاج أجنحة فقط ،بل يحتاج قلبا لا يستسلم ،فعلا لم يستسلم قلبه قبل أن يتزوج محاميته ألاء المتدللة الجميلة البهية الرائعة التي أخلاقها تعادل أخلاقه وطيبة قلبها تلائم قلبه ،بعدما نظر في صمت محمود وعيناه تلمعان بامتنانٍ صادق، قائلا:
“آلاء… أنتِ أكثر من محامية. أنتِ الإنسانة التي أعادتني لنفسي. هل تقبلين أن نكمل الطريق معًا؟”
ابتسمت آلاء تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تمنحه قوة لا تُفسَّر، وقالت بهدوءٍ يملؤه الفرح:
“كنتُ أنتظر أن تقول هذا.”
وهكذا، بدأت قصة جديدة في حياة محمود… قصة ليست عن كفاحه وحده، بل عن شراكة روحين جمعهما القدر بعد أن جمعهما العمل. تزوج محمود وآلاء في احتفال دافئ بين أسرتيهما، وافتتحا معًا مكتبًا قانونيًا يحمل اسميهما، ليصبح رمزًا للعدل والحب والنجاح الذي بُني بصدق.
وفي كل صباح، كان محمود ينظر إلى آلاء ويهمس لنفسه:
“رحلتي كانت طويلة… لكنها كانت تستحق، لأنها انتهت بك وستنتهي بمن تشبهك في روحك وجمالك أعيش على إنتظار أحر من الجمر، إخترت إسمها كما إخترتك أنت من قبل ،سيكون إسم طفلتنا ملاك ،ملائكية بريئة تجمع روحي وروحك،ثم تبسم في صمت وأعاد نظره الى ألاء كي لا يوقظها من نومها كأنه يقول في داخله وداعا سأشتاق لك بعد يوم من العمل.”
إهداء خاص الى جميع القراء،والى تلامذتي الأعزاء





