كأس إفريقيا للأمم : من الاندفاع العاطفي إلى هوس نظرية المؤامرة بقلم : الدكتور المهدي طالب

admin27 يناير 2026Last Update :
كأس إفريقيا للأمم : من الاندفاع العاطفي إلى هوس نظرية المؤامرة بقلم : الدكتور المهدي طالب

كأس إفريقيا للأمم: من الاندفاع العاطفي إلى هوس نظرية المؤامرة

بقلم :  الدكتور المهدي طالب

اختُتمت كأس إفريقيا للأمم بتتويج السنغال بطلاً لإفريقيا بعد بطولة كانت في المجمل جيدة التنظيم، قوية الإيقاع، وغنية بالمشاعر. لكن بدل الاحتفال بالنجاح الرياضي، دارت في موازاة ذلك بطولة أخرى على شبكات التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام: بطولة نظريات المؤامرة.

في إفريقيا، كرة القدم تمسّ الهوية والفخر الوطني. وهذا الاندفاع العاطفي، على الرغم من أنه مفهوم ومعبّر عن ارتباط الشعوب بمنتخباتها، يصبح إشكالياً عندما يمنع أي تحليل عقلاني. فمع كل هزيمة، لا يعود التفسير رياضياً أو تكتيكياً أو ذهنياً، بل يصبح بالضرورة مؤامراتياً: الاتحاد الإفريقي «يتآمر» لصالح بعض المنتخبات، الحكّام «أدوات» في مخطط خفي…

حتى المباراة النهائية نفسها تميّزت بحوادث كاشفة عن هذا الانجراف العاطفي. فعند احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب في الوقت بدل الضائع، حاول بعض المشجعين السنغاليين اقتحام أرضية الملعب، وغادر المنتخب السنغالي الميدان بطلب من مدربه، رافضاً استئناف اللقاء. وبقيت المباراة متوقفة لفترة طويلة. ومهما كانت مشاعر اللحظة، فإن هذه الصور تطرح تساؤلات. فهي تعبّر عن صعوبة مستمرة في تقبّل قرارات التحكيم، حتى عندما تُتخذ بعد اللجوء إلى تقنية الفيديو (VAR)، التي وُجدت أساساً لتقليص الإحساس بالظلم، لا لتغذية السرديات التآمرية.

وما هو أكثر إثارة للقلق أن هذا المنطق لم يعد يقتصر على الملاعب أو على شبكات التواصل الاجتماعي. فبعض الصحافيين، بدل القيام بدورهم في التهدئة والتوعية، ينخرطون هم أيضاً في خطاب المؤامرة.
تحليلات منحازة، خطاب ضَحَوي، اتهامات بلا أدلة: يتم ترسيخ فكرة أنه من المستحيل الخسارة بنزاهة. وهكذا تتحوّل كرة القدم إلى امتداد لصراعات إقليمية، على حساب رسالتها الأساسية: تعزيز التقارب بين الشعوب.

وهذا المناخ المؤامراتي يبدو أكثر تناقضاً لأن هذه النسخة من كأس إفريقيا للأمم تُعدّ الأفضل تنظيماً في التاريخ الحديث لكرة القدم الإفريقية: بنى تحتية حديثة، لوجستيك متحكَّم فيه، أمن مضمون، حضور جماهيري قياسي، جودة عالية في البث التلفزيوني ومستوى تقني مرتفع. صحيح أن كل شيء لم يكن مثالياً. ولكن أي بطولة عالمية تكون كذلك؟ حتى كؤوس العالم تشهد جدلاً تحكيمياً وانتقادات تنظيمية. غير أن أي خلل بسيط في إفريقيا يتحوّل سريعاً إلى «دليل» على مؤامرة شاملة.

لن تتمكن إفريقيا من التقدّم بشكل مستدام إذا تحوّل الاندفاع العاطفي إلى إيمان أعمى بنظرية المؤامرة. ما دامت الهزيمة تُنسب دائماً إلى مخطط خارجي — حكم، اتحاد، قوى خفية — فلن تكون هناك مراجعة للذات، ولا إصلاحات هيكلية، ولا تحسّن دائم في مستوى اللعب. يجب أن تبقى الرياضة فضاءً للروح الرياضية، وللأخوّة بين الشعوب، وأداة للارتقاء الاجتماعي، لا ساحة لإسقاط الإحباطات السياسية أو الهوياتية.

إفريقيا تستحق أفضل من ثقافة المؤامرة. تستحق ثقافة رياضية ناضجة، صارمة، عقلانية، قادرة على تحويل الاندفاع العاطفي إلى تقدّم. المعركة الحقيقية ليست ضد الاتحاد الإفريقي، ولا ضد الحكم، ولا ضد المنافس. المعركة الحقيقية هي ضد طريقة تفكيرنا عندما نرفض الاعتراف بالهزيمة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News