مفارقات المجتمع المغربي:
حين يتحول الضحية إلى جلاد في موسم الأعياد
بقلم : محمد امين سملالي

في كل موسم ديني أو مناسبة اجتماعية كبرى، تتكرر المشاهد نفسها داخل المجتمع المغربي: ارتفاع صاروخي في الأسعار، ازدحام شديد، لهفة على الربح، واستغلال واضح لحاجيات الناس.
ومع كل موجة غلاء، يرتفع منسوب الغضب الشعبي تجاه “الشناقة” والمضاربين والتجار الكبار، باعتبارهم المسؤولين الرئيسيين عن تأزيم الوضع. لكن المفارقة الصادمة أن جزءاً كبيراً من هذا السلوك لا يصدر فقط عن “الكبار”، بل يظهر أيضاً لدى فئات واسعة من الناس العاديين، ممن يشتكون بدورهم من الغلاء والاستغلال.
في ليلة العيد مثلاً، قد يرفع سائق سيارة الأجرة التسعيرة دون تردد، ويضاعف بعض الباعة أثمنة الخضر أو اللحوم أو مستلزمات العيد، بينما يستغل آخرون ضغط الطلب لتحقيق أكبر هامش ممكن من الربح. وهنا يبرز سؤال اجتماعي مهم: هل تكمن المشكلة فقط في بنية السوق والاحتكار، أم أن هناك ثقافة مجتمعية تُطبع مع الجشع كلما توفرت الفرصة؟
هذه الظاهرة تستحق فعلاً دراسة سوسيولوجية ونفسية عميقة، لأنها تكشف تناقضاً واضحاً داخل الوعي الجماعي. فكثير من الأفراد يرفضون الاستغلال حين يكونون ضحايا له، لكنهم قد يمارسونه بدورهم عندما يمتلكون موقع قوة، ولو بشكل مؤقت. وكأن جزءاً من المجتمع لا يرفض “التشناقت” كمبدأ، بل يرفض فقط أن يكون هو الطرف الخاسر فيها.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك أصبح يُبرَّر أحياناً بعناوين مختلفة، من قبيل: “الفرصة لا تُعوَّض”، أو “الناس كاملين دايرين هكا”، أو “حتى أنا خاصني نعيش”. ومع تكرار هذه الممارسات، يتحول الجشع من سلوك معزول إلى ثقافة يومية عادية، يتم التساهل معها اجتماعياً ما دامت تُمارَس على نطاق صغير.
طبعاً، لا يمكن اختزال الأمر في سوء الأخلاق فقط، لأن الواقع الاقتصادي الصعب يلعب دوراً أساسياً. فارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، والهشاشة الاجتماعية، كلها عوامل تدفع كثيرين إلى البحث عن الربح السريع بأي وسيلة. لكن الأزمة الاقتصادية وحدها لا تفسر كل شيء، لأن الفقر لا ينتج دائماً الجشع، كما أن الضيق لا يبرر استغلال حاجات الآخرين.
لهذا تبدو المشكلة أعمق من مجرد ارتفاع موسمي للأسعار؛ إنها مرتبطة بمنظومة قيم كاملة: علاقة الفرد بالمصلحة، وبالربح، وبالآخر، وبفكرة التضامن داخل المجتمع. فحين يصبح استغلال الناس أمراً عادياً في الأعياد والمناسبات، فإننا لا نكون أمام أزمة سوق فحسب، بل أمام أزمة ثقة وأخلاق جماعية أيضاً.
إن دراسة هذه المفارقات ضرورية لفهم المجتمع المغربي بعيداً عن الأحكام السطحية. فالمجتمع الذي يشتكي من الفساد والجشع، بينما يعيد إنتاجهما يومياً بأشكال صغيرة ومتكررة، يعيش تناقضاً حقيقياً بين القيم التي يعلنها والسلوكات التي يمارسها.
شعب يلعن الاستغلال في المقاهي، ويمارسه في الأسواق. وربما لا تبدأ أي عملية إصلاح حقيقية فقط بمحاربة “الشناقة الكبار”، بل أيضاً بمراجعة تلك العقلية الصغيرة التي ترى في كل مناسبة فرصة لاستغلال الآخر بدل التخفيف عنه.






” المجتمعات لا تنهار فجأة…بل تنهار حين يصبح النفاق اسلوب حياة..”. ولعل المفارقات موضوع المقال تشكل جزءا من هذا النفاق.
مع مودتي وتقدير للأخ العزيز آمين.