
أصداء مازغان : المراسل
ثمة فرق وبون شاسع بين أن تنظم تظاهرة كل سنة، وأن تبني موسما له ذاكرة وهوية وتراكم.
فالتظاهرة حدث يتكرر في موعد محدد، أما الموسم فهو كيان حي يستمد معناه من امتداده في الزمن، ومن قدرته على أن يضيف إلى ما راكمته السنوات، لا أن يبدأ في كل مرة من جديد.
موسم مولاي عبد الله أمغار ينتمي، بامتداده الثقافي والروحي، وارتباطه بالخيل والفرسان والسربات والعيطة والطقوس، إلى هذا النوع من المواسم التي لا تختزل في بضعة أيام من الاحتفال، بل هي ذاكرة جماعية متجذرة في المكان، تختزن تاريخا وممارسات ورموزا تناقلتها الأجيال.
عندما يصبح الملصق مرآة لأزمة أعمق
ربما يكون ملصق هذه السنة مجرد مدخل إلى سؤال أكبر من تفاصيله واختياراته الفنية.
فحين تصبح الصورة التي نقدم بها الموسم موضع نقاش، فإن السؤال لا يعود فقط:
هل أعجبنا الملصق أم لم يعجبنا ؟
بل يصبح سؤالا جوهريا حول كيفية تفكيرنا في الموسم أصلاً، وعن الجهة التي تحدد صورته وهويته البصرية، ومن يختار الرموز التي يفترض أن تقدم هذا التراث إلى الجمهور.
وهذه ليست أسئلة تفصيلية بقدر ما هي أسئلة تتعلق بطريقة تدبير صورة موسم يحمل جزءا من الذاكرة الثقافية للمكان، ويفترض أن تكون كل دورة منه امتدادا لما سبقها، لا قطيعة معه.
غياب التراكم وتبديد الذاكرة
المشكلة، في العمق، ليست في ملصق سنة بعينها، بل في سؤال أوسع حول وجود تصور قار وهوية بصرية وثقافية تتطور مع الزمن.
فحين لا تتراكم الذاكرة، نجد أنفسنا نبدأ كل دورة من الصفر، وكأن العام الماضي لم يكن.
في التظاهرات التي تحترم ذاكرتها، لا تنتهي الدورة بانتهاء أيامها، بل ما تنتجه من صور ولحظات استثنائية وخيول وفرسان وسربات وأعمال فنية يتحول إلى أرشيف ورصيد بصري وثقافي تستفيد منه الدورات التالية.
ولِمَ لا تكون أجمل لقطة فروسية، أو أفضل صورة لحصان، أو أقوى مشهد من الموسم السابق، مرشحة لأن تصبح مادة ملصق العام التالي؟
لِمَ لا تتحول نهاية كل دورة إلى مناسبة لفتح المجال أمام المصورين والفنانين والمبدعين لاختيار أفضل صورة أو عمل فني مرتبط بالموسم؟
الجديدة : طاقات محلية تركن خارج الصورة
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا حين نتحدث عن إقليم الجديدة، الذي يزخر بفنانين تشكيليين ومصورين ومصممين ومبدعين، وله كل هذه العلاقة الوثيقة بالخيل والبحر والعيطة والتبوريدة وذاكرة المكان.
فكيف لهذا الإقليم أن يبقى بعيدا عن صناعة صورة موسمه؟
لم لا تكون هناك دعوة مفتوحة للإبداع المحلي؟
لم لا تتنافس الأعمال وتعرض على لجنة مختصة ويختار الأفضل منها ؟
ذلك لا يهدد هوية الموسم، بل يعمقها، فحين يشارك أبناء المكان في صناعة صورته، تصبح الصورة أكثر التصاقا بروحه وذاكرته، وأكثر قدرة على التعبير عن خصوصيته.
نحو مقاربة علمية وأكاديمية مؤسسة
إن استدامة الموسم وهويته تستدعي أكثر من مجرد تنظيم سنوي، فهي تتطلب مقاربة علمية رصينة تشرك الباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث، وتفتح المجال أمام جامعة شعيب الدكالي لتكون فاعلا أساسيا في وضع برامج وأنشطة ثقافية وعلمية مرتبطة بالتراث وتاريخ المنطقة.
فالجامعة، بأطرها و أساتذتها وتخصصاتها المتنوعة، قادرة على تقديم قراءات معمقة للظاهرة، وتأطير فعاليات الموسم برؤية أكاديمية تحفظ للمكان خصوصيته وتاريخه.
والأمر لا ينبغي أن يتوقف عند الملصق، بل يمكن أن يشمل التصوير الفوتوغرافي، والفنون التشكيلية، والتصميم، والتوثيق، والأرشفة، وإنتاج أعمال تستلهم في كل دورة لحظات الموسم وشخصياته وطقوسه.
هكذا يمكن أن يتحول الموسم من مستهلك للصور إلى منتج للذاكرة.
التراث لا يُحفظ بالكلام فقط
التراث اللامادي لا يحفظ بالكتب والملفات الرسمية وحدها، ولا بالخطب التي تتحدث عن ضرورة الحفاظ عليه، إنما يحفظ أيضا بالطريقة التي نروي بها قصتنا، وبالصور التي نختارها لتمثيلها، وبالرموز التي نقدمها للأجيال المقبلة.
الخصوصية الجغرافية : البحر والفلاحة في صلب الهوية
ثمة عنصر آخر لا ينبغي إغفاله في أي تأمل جاد حول موسم مولاي عبد الله أمغار، ويتعلق بالخصوصية الجغرافية للمنطقة، ببعدها البحري وامتدادها الفلاحي.
فهذه الخصوصية ليست مجرد خلفية عابرة، بل هي جزء من النسيج الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الذي شكل هوية المكان عبر القرون.
ولعل إشراك الباحثين في التاريخ الطبيعي والبشري للمنطقة، فضلا عن المتخصصين في التراث البحري والفلاحي، سيمكن من تقديم رؤية متكاملة للموسم، تجعل منه منصة للتعريف بهذه الخصوصية، لا حدثا منفصلا عنها.
ومن هنا، يمكن أن تثمر الشراكات مع جامعة شعيب الدكالي ومراكز البحث عن برامج علمية وثقافية تغني الموسم، وتجعله فضاء للمعرفة بقدر ما هو فضاء للاحتفال.
ماذا نترك بعد انتهاء الموسم ؟
لا ينبغي أن يقاس تدبير موسم بهذا الحجم بحجم الجمهور أو بعدد الفعاليات وحدها، بل بالسؤال الأبعد:
ماذا نترك بعد انتهاء الموسم ؟
إذا انتهت أيامه وانتهت معها صوره وملصقاته وشعاراته، ثم بدأ العام التالي وكأن شيئا لم يكن، فنحن لا نبني موسمطاً، بل نكرر موعدا.
أما إذا أضافت كل دورة صورة إلى أرشيفه، وعملا إلى هويته، وفنانا إلى ذاكرته، وحكاية إلى تاريخه، فإننا نكون أمام شيء مختلف تماما:
تراث حي يتراكم، لا تظاهرة تتكرر.
الموسم الحقيقي لا يبدأ بالملصقات ولا ينتهي بطي الخيام
موسم مولاي عبد الله أمغار يستحق هوية بصرية تتطور ولا تتبدل، وأرشيفا يحفظ أفضل ما أنتجته كل دورة، وملصقا يصبح جزءا من تاريخه لا مجرد إعلان عن موعده.
ويستحق أن تتحول خيله وفرسانه وعيطته وطقوسه إلى مادة إبداعية متجددة، وأن يجد فنانو ومصورو ومبدعو الإقليم مكانهم الطبيعي في صناعة صورته.
ويستحق، قبل كل شيء، أن ينظر إليه باعتباره ذاكرة حية تتجدد، لا تظاهرة يعاد تنظيمها.
فالموسم الحقيقي لا يبدأ حين تعلق الملصقات، ولا ينتهي حين تطوى الخيام، إنه يبدأ من ذاكرة السنة الماضية ليبني عليها السنة المقبلة.
وفي هذا التراكم تتحول التظاهرة إلى موسم، والصور إلى ذاكرة، والذاكرة إلى تراث حي.
أما إذا كنا نبدأ كل عام من الصفر، فالسؤال الذي يستحق أن نطرحه بجدية هو:
هل نحن نصنع موسما جديدا فعلا أم نبدده، سنة بعد أخرى ؟





