أصداء مازغان : نسيم الدكالي
حاولنا خلال متابعتنا لمجمل فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار أن نقترب قدر الامكان من روحه وذاكرته، فمن فنون العيطة والتبوريدة، إلى فن التفريدة و سرديات العلام، و من لباس الفارس و ألوان الفرس، وفن الصقارة، وصولا إلى المجتمع والاقتصاد اللذين يصنعان، في أيام معدودة، مدينة عابرة تستوعب الآلاف.
ومع إسدال الستار ونهاية الموسم، يبدو السؤال أكثر إلحاحا وهو كيف يمكن لهذا الموروث الحي أن ينتقل من مجرد احتفاء سنوي إلى مشروع ثقافي وتراثي وتنموي متكامل، دون أن يفقد روحه ؟
الحفاظ على الذاكرة قبل ضياعها
إن أي مشروع للمستقبل يبدأ من معرفة ما نملكه في الحاضر.
والموسم، بما يحمله من ذاكرة شفوية وصور وطقوس وموسيقى وأزياء وحكايات، يحتاج إلى أرشيف حقيقي، رقمي مفتوح، يجمع ما يمكن جمعه من الصور القديمة، وشهادات لكبار السن، ومقاطع العيطة والتفريدة، وتفاصيل الأزياء وألوان الخيل، وغيرها من عناصر الذاكرة التي لا يجوز أن تظل رهينة ذاكرة الأفراد.
فهذا التراث الأصيل يستحق أن يحظى بمسار واضح نحو الاعتراف الرسمي وحمايته ضمن منظومة التراث الثقافي غير المادي، بما يفتح، على المدى البعيد، إمكانية التعريف به وطنيا ودوليا.
فالحفاظ على التراث لا يعني تجميده او تحنيطه، بل ضمان انتقاله حيا من جيل إلى جيل.
نحو موسم يليق بالإنسان والفرس
إذا كان الموسم قد أصبح مدينة مؤقتة تستقبل الآلاف، فمن الطبيعي أن تكون له خدمات تليق بهذا الحجم.
فهو يحتاج إلى تصور واضح لتدبير فضاءاته، يراعي العائلات والفرسان والأنشطة الفنية والتجارية، ويوفر الماء والنظافة والصرف الصحي والإنارة والسلامة، إلى جانب فضاءات ترفيهية للأطفال والشباب.
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة إحداث مسبح شاطئي كبير آمن، يوفر للعائلات بديلا عن السباحة العشوائية في البحر، ويجعل من موسم مولاي عبد الله أيضا فضاء للاستجمام الآمن.
والفرس بدوره يستحق عناية توازي مكانته في قلب الموسم عبر أحداث وحدة بيطرية مجهزة، مؤطرة ببياطرة، وأدوية وتجهيزات للتدخل، ومحطات للاستحمام، وفضاءات مناسبة لراحة الخيول ومياه نظيفة للشرب.
فالاحتفاء بالخيل لا يكون فقط حين تركض في المحرك، بل يبدأ قبل ذلك ويستمر بعد انتهاء العرض.
الحاجة الى معرف القيمة الاقتصادية للموسم
الموسم ليس ظاهرة ثقافية فقط، بل هو أيضا دورة اقتصادية موسمية واسعة. هو أسواق تجارية تنتعش، ومطاعم ومقاه تمتلئ، و وسائل نقل تتحرك، و أماكن للإيواء والكراء تنشط، و فرص للشغل مؤقتة، ورواج كبير في مجال التجارة والخدمات والحرف والصناعة التقليدية .
لكن المفارقة أننا لا نملك، بما يكفي من الدقة، صورة واضحة عن حجم هذه الدورة الاقتصادية.
فكم هي فرص الشغل التي يخلقها الموسم ؟
و كم يبلغ حجم الإنفاق خلال فترة إقامته ؟
و ما قيمة الرواج التجاري بداخله ؟
و ما الذي يتبقى من هذه الحركة الاقتصادية بعد انقضاء أيام الموسم ؟
إن إنجاز دراسة اقتصادية سنوية للإجابة عن هذه الأسئلة لن يكون ترفا أكاديميا، بل سيكون أداة أساسية لفهم قيمة الموسم والتخطيط الجيد و المحكم لمستقبله.
ومن هنا يمكن التفكير في جعل الموسم منصة للتعريف بمنتجات المنطقة وحرفها وصناعاتها التقليدية، وربط هذا الموعد السنوي بالاقتصاد المحلي والسياحة الثقافية، حتى لا تنتهي كل آثاره بانتهاء أيام انعقاده.
الموسم مختبر مجتمعي مفتوح
فكما يستحق الموسم دراسة اقتصادية، فهو يحتاج أيضا إلى قراءة سوسيولوجية
للاجابة عن الأسئلة التالية:
لماذا يعود الناس إليه كل سنة ؟
و ما هي التحولات التي عرفتها مكونات جمهوره و مرتاديه ؟
و كيف تنتقل طقوسه وحكاياته من الآباء إلى الأبناء ؟
وكيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في صورته وفي طريقة اكتشاف الأجيال الجديدة له؟
أسئلة تجعل من الموسم مختبرا حقيقيا لفهم تحولات المجتمع المغربي، وتطور علاقته بالتراث، وكذا أنماط العطلة والسفر، ومفهوم الاحتفال، وانتقال بعض عناصر الثقافة المحلية إلى فضاء وطني أوسع.
ولهذا، فإن ابرام شراكات علمية مع الجامعات ومراكز البحث يمكن أن تفتح آفاقا جديدة لفهم هذه الظاهرة، بدل الاكتفاء بمشاهدتها كل عام من الخارج.
من ذاكرة الأشخاص إلى ذاكرة المؤسسة
فالموسم الذي عبر الأجيال لا ينبغي أن تبدأ ذاكرته التنظيمية من جديد مع كل دورة.
إنه يحتاج إلى تراكم في التوثيق، وفي الخبرة التنظيمية، وفي الدراسات، وفي الهوية البصرية، وفي تقييم الخدمات، وفي معرفة ما نجح وما لم ينجح.
ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى آلية مؤسساتية دائمة، تتولى حفظ هذه الذاكرة، من خلال تتبع التوصيات، وتقييم كل دورة على حدة و إعداد تقرير سنوي مفصل يحدد مكامن القوة و الضعف.
نحتاج إلى تقرير سنوي يقول بوضوح ما الذي نجح وما الذي أخفق، أين تحسن التنظيم وأين تعثر، كيف كانت الخدمات، وما الذي ينبغي تغييره في الدورة المقبلة.
كما يمكن أن يشمل ذلك التواصل، و تدبير الفضاءات، والاختيارات الفنية، وحضور بعض مكونات الذاكرة الشعبية وغيرها.
فالأحداث الكبرى لا تبنى في دورة واحدة، والموسم الذي راكم أكثر من قرن من الذاكرة لا يجوز أن يظل أسير منطق البداية من الصفر .
في الحاجة الى هوية بصرية تتجاوز أيام الموسم.
يحتاج الموسم أيضا إلى هوية بصرية وثقافية واضحة، لا تتغير جذريا من دورة إلى أخرى، بل تتطور وهي تحمل ذاكرته.
هوية يعرفها الناس، ويستطيعون من خلالها التعرف على الموسم حتى قبل قراءة اسمه.
كما يمكن أن يكون للموسم حضور رقمي يستمر طوال السنة، إذ لا يقتصر على أيام التظاهرة، بل يعيد نشر الصور والوثائق والحكايات، ويعرف بالأشخاص والطقوس، ويحول الذاكرة المتناثرة إلى محتوى ثقافي متاح للأجيال الجديدة.
ومن هنا يمكن أن نؤسس لعلاقة أكثر عمقا بين الموسم والسياحة الثقافية، وبين مولاي عبد الله أمغار وذاكرة دكالة ومؤهلات المنطقة.
النقد… جزء من البناء
فالنقد هنا ليس بحثا عن الهفوات ولا رغبة في الانتقاص من قيمة الموسم.
النقد الحقيقي لا يهدم ما نحب، بل يحاول أن يجعله أفضل.
والموسم، بحجمه ومكانته، يستحق هذا النقد البناء بقدر ما يستحق الاحتفاء.
من أجل موسم لا يبدأ من الصفر.
المطلوب في النهاية ليس تحويل موسم مولاي عبد الله أمغار إلى مدينة ملاهٍ باردة تفقد روحها، ولا إخضاعه لمنطق الاستهلاك السياحي وحده.
المطلوب أن يصبح أكثر إنسانية، وأكثر كرامة، وأكثر تنظيما، وأكثر قدرة على حماية ذاكرته والاستفادة من إمكاناته.
فالموسم ليس مجرد حدث ينقضي بانقضاء أيامه، بل ذاكرة حية، وظاهرة اجتماعية، ودورة اقتصادية، وموروث ثقافي يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنمية.
وهنا تكمن الفكرة التي نريد أن نختم بها هذه السلسلة و هي انه لا نريد موسما أكبر فقط، بل موسما أكثر وعيا بقيمته.
موسم يحافظ على روحه وهو يتطور، ويستفيد من ماضيه وهو ينظر إلى المستقبل، ويجعل من ذاكرته أساسا لبناء الغد.
فلنترك الستار يسدل هذه السنة، لكن دون أن نغلق النافذة.
وإلى موسم قادم، لا لنبدأ فيه من الصفر، بل لنبني على ما راكمناه، ونتجاوز فيه الاحتفاء إلى التأسيس، ونجعل منه، سنة بعد سنة، أكثر من مجرد موعد بل مشروعا للأجيال، وذاكرة للوطن.





