مولاي عبد الله أمغار… حين كانت الخيل تحرس الثغور

admin9 أغسطس 2026Last Update :
مولاي عبد الله أمغار… حين كانت الخيل تحرس الثغور

مولاي عبد الله أمغار…
حين كانت الخيل تحرس الثغور

بقلم : نسيم الدكالي

حين يبدأ موسم مولاي عبد الله أمغار، لا يحتاج المكان إلى كثير من التعريف.

يكفي أن تقترب من المحرك، لترى الخيل وقد تسربلت ، والفرسان في لباسهم التقليدي، والسربات مصطفة في انتظار لحظة الانطلاق.

يسود صمت قصير، مشحون بالترقب، قبل أن تنطلق الخيل دفعة واحدة، ويعلو صهيلها، ثم يأتي صوت طلقة البارود في اللحظة التي ينتظرها الجميع.

تتعالى الزغاريد والتصفيق، وتتحول الأرض إلى مسرح للاحتفال.

لكن خلف هذه الصورة التي يعرفها الجميع، تختبئ حكاية أقدم.

فالخيل التي نراها اليوم وهي تستعرض قوتها وجمالها، لم تأتِ دائمًا إلى هذا المكان من أجل الفرجة.

والبارود الذي يصنع اليوم لحظة الفرح، كان ذات يوم يحمل معنى مختلفًا، في زمن كانت فيه السواحل تعيش على وقع الخطر، وكانت الخيل جزءًا من حياة الثغور.

قبل أن يصبح المكان معروفًا بموسم مولاي عبد الله أمغار، كان يعرف باسم تيط.

وفي هذا الساحل، حيث تلتقي اليابسة بالبحر، نشأ رباط ارتبط بأسرة أمغارية كان لها حضور ديني وعلمي امتد عبر أجيال.

لم يكن الرباط مجرد مكان للعبادة، بل كان فضاءً للعلم والذكر والتربية الروحية، وجزءًا من حياة مجتمع يعيش على تخوم البحر. فالبحر الذي كان مصدرًا للرزق، كان يمكن أن يحمل الخطر أيضًا.

ولهذا كانت الرباطات الساحلية جزءًا من حياة الناس ومن حماية المجال، حيث يتجه وجهها إلى الداخل نحو المسجد والعلم، وإلى البحر حيث تترقب العيون ما يأتي من الأفق.

وحول هذا الرباط نشأت حياة. جاء الناس، واستقرت العائلات، وتداخلت العلاقات بين القبائل، وأصبح المكان نقطة تلتقي عندها طرق مختلفة، بين دكالة والبحر.

في ذلك الزمن، لم تكن الخيل مجرد مظهر للجمال. كانت وسيلة للحركة والقوة، وكان الفارس يركب لأن عليه أن يكون مستعدًا لحماية المجال.

ثم تغيّر الزمن.

تغيرت الحروب والأسلحة، وتبدلت وظيفة الفارس. لكن الخيل بقيت، وبقي معها شيء من صورة الفارس القديم.

ومع مرور الزمن، انتقلت الفروسية من وظيفتها الدفاعية إلى طقس احتفال، وأخذت التبوريدة شكلها الذي نعرفه اليوم.

لم تعد السربة تتجه نحو خصم، بل نحو المحرك. ولم يعد البارود إعلانًا عن مواجهة، بل أصبح موعدًا للفرح.

ومع ذلك، لم يختفِ الماضي تمامًا.

ربما بقي في اصطفاف الفرسان، وفي الاستعداد قبل الانطلاق، وفي الجري الجماعي، وفي تلك اللحظة القصيرة التي يسود فيها الصمت قبل أن ينفجر البارود.

كأن التبوريدة لم تقطع صلتها بالماضي، وإنما وجدت له لغة جديدة؛ لغة لا تتحدث عن الحرب، بل عن الذاكرة.

ولهذا تبدو التبوريدة في مولاي عبد الله أمغار أكثر من مجرد عرض للخيول.

إنها إحدى الطرق التي يتحدث بها المكان عن نفسه.

فالخيل التي تجري اليوم في المحرك، تجري فوق أرض عرفت الخيل قبل أن تعرف الاحتفال. والبارود الذي يثير حماس الجمهور يحمل، ولو بصورة رمزية، صدى زمن كان فيه السلاح جزءًا من حياة الثغور.

ثم يأتي الموسم ليجمع هذه الأزمنة المختلفة في مكان واحد.

هنا الضريح، وهناك المحرك. هنا الزائر الذي جاء ليستعيد صلة قديمة بالمكان، وهناك السربة التي جاءت لتقدم عرضها. وهنا الخيام والأسواق والقبائل والعائلات والناس الذين تتقاطع طرقهم في هذا الموعد.

لكن الموسم أكبر من التبوريدة.

إنه، في أيام قليلة، يعيد تشكيل المكان كله، ويجمع بين الذاكرة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية والاقتصاد والاحتفال.

وهذه هي النافذة التي سنحاول فتحها في هذه السلسلة.

لن ننظر إلى مولاي عبد الله أمغار باعتباره مجرد موسم للفروسية، ولا باعتباره حكاية تاريخية مغلقة، بل سنحاول أن نراه كما هو اليوم، بكل ما يحمله من ذاكرة وحياة وتقاليد وأسئلة.

لأن الموسم ليس فقط ما يحدث فوق أرضه خلال أيام محددة، وإنما ما يتركه في ذاكرة من عاشه، وما يعيده كل عام من عادات وعلاقات وحكايات.

وربما لهذا السبب، حين تنطلق السربة، ويعلو صهيل الخيل، ثم يهتز المكان بصوت البارود، لا نشاهد مجرد لحظة احتفالية.

نحن نشاهد حاضرًا يحمل شيئًا من ماضيه.

من الرباط إلى الموسم.

من الثغر إلى المحرك.

ومن الفارس الذي كان يحرس المجال إلى الفارس الذي يحمل ذاكرة ذلك الفارس.

كانت الخيل تحرس الثغور.

واليوم، وهي تجري أمام أعيننا، تبدو وكأنها تحرس شيئًا آخر:

تحرس الذاكرة.

ومن هنا تبدأ حكايتنا مع موسم مولاي عبد الله أمغار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News