هاتُوا المَغرب، هاتُوا الكأس…!!
بقلم : إدريس الواغيش

انتصرنا على المنتخب الأردني في مباراة مثيرة ومجنونة، ولا عجب في ذلك، لأن المغاربة أصبحوا يحبّون الانتصار، كما لو أنهم يُحبّون أنفسهم. وبين “هاتوا المغرب” و”هاتوا الكأس”، تكمن خبرات وتجارب وإصرار وبنيات تحتية وإرادات صلبة لأطراف عديدة، وأيضا لأن الانتصار أصبح عندنا، نحن المغاربة، في السنوات الأخيرة مُقدّسًا، ونحبُّه كما نحبّ الحَياة.
بدأت المقابلة بتسجيل هدف مغربي خرافي، أعادنا إلى زمن كرة القدم الذهبي مع الهنغاري بوشكاش، وبدأت معه أطوار فتنة التشويق في مقابلة انتظرنا فيها صوت صفّارة الحَكم، وكم تمنّينا لو أنه يُعلن عن نهايتها، لأنها كانت مقابلة متعبة للأعصاب، ولكنه لم يفعل إلا بعد أن عصّرت أحداث المقابلة قلوبنا وأعصابنا تعصيرًا.
الشرف ليس دائمًا في أن تنتصر أو تفوز بالكأس، سواء تعلق الأمر بكأس العرب أو بكأس قارية أو عالمية أخرى، الأهم أن تحتفظ بقيَمك الحضارية في الفوز، كما في الخسارة، وأن تكون الطريقة التي فزت بها شريفة ومقنعة، وهذا ما فعله رجال السكتيوي، كان فوزهم بكأس العرب في قطر مُقنعًا ومُبهرًا ومُشرّفًا للكرة المغربية أداء ونتيجة. ثم إنّ فوز المغاربة لم يكن مفاجئا لأحد، لأن فوزنا في السنوات الأخيرة لم يعد يقتصر على كرة القدم، ولكن أصبحنا نفوز في محافل دولية ومجالات علمية وصناعية وسياسية وفي ميادين أخرى مختلفة، وأيضا لأن الفوز أصبح ثقافة راسخة في العقلية المغربية. وليس مهمًّا كذلك دائمًا أن تنتصر، لأن الانتصارات كما الهزائم واردة جدا في الحياة، ولكن أن يكون انتصارك موجعًا لنفوس بعض النفوس الضعيفة من البشر الحقودين.
انتصاراتنا في كرة القدم لم تعد تفاجئ أحدا، انتصر شبابنا قبل ذلك في فئة أقل من عشرين (U20) عاما في الشيلي، وأصبحوا أبطالا عربا وأفارقة للعالم، وانتصر المحليون قبلهم في كينيا، وأصبحوا أبطالا للقارة الإفريقية. ولكن العجيب في هذه الانتصارات المتتابعة للمغرب في ملاعب قطر، هو أنه كان لها طعم خاص ومختلف، راهن كثير من الشباب العربي في دول الخليج والشرق الأوسط على خسارتنا، وكانوا في كل مرة ينتصر المغاربة ويخيّبون توقعاتهم ثم يفشلون. ولذلك، كانت سببا في أن حلق كثير من هؤلاء المؤثرين العرب شواربهم، حتى كاد الشباب العربي في الخليج يصبحون بلا أشناب. وحلق آخرون ذقونهم، فيما راهن بعض الشباب العربي على خسارة المنتخب المغربي، ولكنهم في الأخير، أتوا على حلق سواد شعورهم، وأصبح البياض يعلو جماجم رؤوسهم في عراء شتاء صحراء الخليج العربي. وعود على بدء، كان حلم جميع المنتخبات العربية دون استثناء، مع جماهيرها في مدرّجات ملاعب قطر، هو اللعب ضد المنتخب المغربي، حتى لو كان رديفا وثالثا أو رابعا، والانتصار عليه في ملاعب قطر، كيف لا وهو رابع العالم…!!
ولكن تصرُّف الجماهير العربية مع المغرب والمغاربة، بتلك الطريقة الرّعناء في شوارع وأزقة وأسواق الدّوحة، كانت مُصيبة وكارثة كروية عليهم. واتّضح أن تشجيعهم لفرقهم بتلك الحماسة الزائدة لم يكن حكيمًا، إذ كان فيه ضرر كرويّ كبيرٌ عليهم. وربما فيهم ينطبق المثل: “على نفسها جنت براقشُ”.
بدأها عرب الخليج في” سوق واقف” بالدوحة أولا بعبارات: “هاتوا…المغرب”، وجاءهم الرد سريعًا ومُزلزلا في الملعب، وتساءل آخرون: “المغرب وينو…؟”، ولم يخطر على بالهم أنهم مطلوبون لعدالته الكروية في الميدان. ونادى بعض الأعراب المغرورين من الأردن في الأسواق، وهم يجاهرون بأصواتهم دون حياء أو خجل: “يا مغرب جَيّيك الدّوور..”، ونسوا أو تناسوا أن دور الهزيمة في النهائي سيكون عليهم، لا على غيرهم. وكان المغاربة، في كل ما ذُكر من ضجيج وجَعجعة، يشتغلون في صمت وتركيز عاليَّين، رغم سهو بعض لاعبي الدفاع المغربي في النهائي ضد الأردن. وفي الأخير، سمعنا صفارة الحكم السويدي جلين نبيرج، الذي نطق باللغة العربية ربما أول مرّة في حياته أمام سُخونة الأحداث، ونادى طارق السكتيوي: “يا عرب، اصمتوا، وهاتوا الكأس، هاتوا…”.
ألف مبروك للمنتخب المغربي الرّديف لكرة القدم انتصاره على المنتخب الأردني في النهائي في مقابلة لم تكن سهلة أبدا، وهو في واقع الأمر لم يكن رديفا ولكن بطلا، وفوزه باستحقاق بكأس العرب- دورة قطر 2025م، وحظ سعيد للمنتخب الأردني الشقيق بقيادة المدرب جمال السلامي خريج المدرسة المغربية، أبان عن عناد غير عادي، ولعب مباراة نظيفة وحماسية في كرة القدم رغم ما صدر منه من سلوك غير أخلاقي مع السكتيوي، وترك يده ممدودة دون أن يبادلوه السلام، وهي حركة لا رياضية تحسب على اللاعبين والمسؤولين الأردنيّين، ونتمنى رغم ذلك حظا موفقا في كأس العالم.
حماسة اللاعبين الأردنيّين لم تكن كافية أمام إصرار المغاربة على الفوز، ولم تشفع لهم أمام خبرة المغاربة وتجربتهم. كانت رغبة حمد الله أقوى في إعادة الثقة لنفسه بعد طرده الأول، ووضع الكرة المغربية في مكانها اللائق زعيمة للعرب وفائزة بكأس العرب الثمين. وفي الأخير، خان الطموح لاعبي الأردن أمام رجالات السكتيوي وكتيبته فوق المستطيل الأخضر، واستسلموا للأمر الواقع. في المُحصّلة، قدّم مُنتخبَا المغرب والأردن مقابلة جميلة في كرة القدم، يحقّ للعرب أن يفخروا بها أمام العَجم.





