هل خاصمت وزارة النقل واللوجستيك إقليم الجديدة؟
بقلم : محمد امين سملالي

في السياسة، هناك خصومات تُعلَن في البلاغات، وأخرى تُقرأ في الإسفلت المتشقق، وفي الحفر التي تتكاثر بثقة غريبة. ومن حق أبناء إقليم الجديدة أن يطرحوا سؤالًا ساخرًا في ظاهره، جادًّا إلى حدّ الإحراج في جوهره:
هل قررت وزارة النقل واللوجستيك الدخول في خصام معلَن مع هذا الإقليم ؟
فما تعيشه الطرق المؤدية إلى الجديدة، وما تعرفه بعض محاورها الداخلية، لم يعد مجرد إهمال أو سوء تدبير، بل صار أقرب إلى عقوبة ميدانية غير معلنة.
ليست القضية مجرد مطبات عابرة أو أعطاب ظرفية، بل تتعلق بشبكة طرقية كاملة، وطنية وجهوية وإقليمية، تربط الجديدة بسيدي بنور ومناطق أخرى. ومع الأمطار الأخيرة، تحولت هذه الشبكة إلى مشهد شبه كارثي : حفر عميقة ، وتشققات ممتدة ، وانهيارات موضعية تبتلع العجلات والأعصاب معًا .
صار التنقل داخل الإقليم مغامرة ميكانيكية مفتوحة على كل الاحتمالات: إما أن تصل متأخرًا، أو منهكًا، أو لا تصل إلا بعد أن تكون سيارتك قد أدت ثمن الرحلة من قطع الغيار والكرامة.
وإقليم سيدي بنور، بدوره، وللأسف، لا يختلف كثيرًا؛ فالطرق الرابطة بينه وبين الجديدة، وبعض المسالك المؤدية إليه، تعاني الإهمال نفسه، بما يجعل الخلل ممتدًّا ترابيًّا، لا مقتصرًا على نقطة محددة أو مقطع معزول. وما يزيد الصورة دلالة ذلك الصمت المريب الذي يجمع، اليوم، بين وزارة النقل واللوجستيك، ومجلس جهة الدار البيضاء-سطات، والمجالس الإقليمية والمحلية، كلٌّ في حدود اختصاصه.
لكن الجميع يلتقون، في المحصلة، عند مشهد واحد: طريق متعبة، وحفر واثقة من بقائها، وتأجيل، ثم ترقيع، ثم تأجيل جديد.
والمشكل لا يقف عند الطرق الرابطة بين الإقليمين، بل يمتد إلى داخل مدينة الجديدة نفسها، حيث لم تعد بعض الشوارع والمحاور أقل إثارة للاستياء من الطرق الخارجية.
أما مشاريع المحاور الطرقية، وهي قليلة أصلًا، فقد تحولت من أوراش منتظرة إلى مادة للتندر، وكأن أقصى ما نجحنا فيه هو إنتاج وعود أكثر من إنتاج طرق فعلية.
والمفارقة أن الأمر لا يتعلق بإقليم هامشي أو مجال خارج الرادار، بل بإقليم صناعي بامتياز، بفضل القطب الصناعي بالجرف الأصفر، وفلاحي بامتياز، بفضل سهل دكالة الذي يمد المغرب بجزء مهم من موارده الأساسية، فضلًا عن كونه مجالًا سياحيًّا واعدًا. وكان يُفترض أن يحظى ببنية تحتية محترمة، لكن يبدو أن بعض الجهات اعتمدت منطقًا مقلوبًا:
كلما كان الإقليم منتجًا ومساهمًا في الاقتصاد الوطني، كان من حقه أن يُكافأ بطريق مهترئة لا تصمد أمام أول تساقط.
فهل يُعقل أن تكون مداخل إقليم بهذه الأهمية على هذا الحال ؟
وهل يُعقل أن تصبح طرق الجديدة وسيدي بنور أقرب إلى مسالك لاختبار صبر السائقين، ومتانة العربات، وقدرة الناقلات على التحمل، منها إلى بنية تحتية عمومية محترمة؟
وبأي منطق نطالب بالاستثمار، ونروّج للسياحة، بينما تتكلف الحفر بأول رسالة ترحيب للزائر والمستثمر والمواطن : “مرحبًا بكم في إقليم خارج الأولويات” ؟
ولم يعد هذا الموضوع مجرد تذمر محلي عابر، بل صار حاضرًا في البرلمان بغرفتيه، وفي تدخلات المنتخبين، وفي وسائل الإعلام والفضاءات الرقمية.
لكن هذا الحضور لم ينعكس بعد على مستوى المعالجة الميدانية. فكلما اشتد الجدل، عاد الكلام عن المشاريع الكبرى والاستراتيجيات، من دون أثر ملموس. وحين يتعلق الأمر بأبسط حق للمواطن، أي طريق آمنة، يسود صمت عجيب، وتختفي الأجوبة العملية، بينما تواصل الحفر اتساعها بثقة، وكأنها المشروع الوحيد الذي يُنجز دون تأخير أو حاجة إلى تدشين.
والأمطار الأخيرة لم تخلق الأزمة، بل فضحتها. فقد كشفت هشاشة بنية تراكمت فيها سنوات من الترقيع وغياب المحاسبة. فالطريق التي تنهار بعد كل تساقط ليست ضحية السماء، بل ضحية سياسة تأجيل مزمنة.
ومن الإنصاف القول إن هذا الملف وجد صدى في مبادرات برلمانية وتدخلات بعض المنتخبين، لكن ذلك لم يتحول بعد إلى ضغط سياسي كافٍ. فكثير من المنتخبين المحليين ما يزال حضورهم أقرب إلى التفاعل المناسباتي، من صور وتدوينات وبلاغات، منه إلى الترافع المستمر.
وحين يحين وقت الإحراج الحقيقي ومساءلة الجهات المعنية، يخفت الحضور، ويغلب منطق التموقع على منطق الدفاع الفعلي عن الإقليم.
إن إقليم الجديدة لا يطلب امتيازًا خاصًّا، بل فقط الحد الأدنى من الاحترام:
طرقًا صالحة للسير ، وبنية تحتية لا تنهار مع كل تساقطات . بعض المسؤولين لا يتذكرون الجديدة إلا حين يحتاجون إلى أرقامها الاقتصادية ، أو إلى مواقعها ، أو إلى أصواتها الانتخابية .
أما حين يتعلق الأمر بحقوقها الفعلية، فإنها تتحول إلى هامش بارد في دفتر الأولويات.
ولهذا يبقى السؤال مطروحًا، لا على سبيل الدعابة فقط، بل على سبيل المساءلة الجدية أيضًا:
هل خاصمت وزارة النقل واللوجستيك إقليم الجديدة فعلًا ؟
أم أن الإقليم ابتُلي ، مرة أخرى، بمسؤولين لا يرون في الطريق سوى مسافة تفصلهم عن الانتخابات المقبلة ؟






لاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم