وجهة نظر
(الحلقة الثامنة)
نوبل بين الهيمنة الرمزية ومصادرة الاعتراف:قراءة فلسفية في استبعاد العرب والمسلمين
بقلم : الطاهر كردلاس

ليست جائزة نوبل مجرّد تقليد سنوي لتكريم العبقرية البشرية كما يبدو في سطح الخطاب الإعلامي، بل هي فعل رمزيّ شديد التعقيد، يختزن في عمقه شبكة من القيم والمصالح والأيديولوجيات التي شكّلت الوعي الغربي منذ صعود الحداثة. فالذين يتحدثون عن الجائزة باعتبارها عنوانًا للإنسانية الكونية، يتناسون أنّ فكرة “الكونية” ذاتها صِيغت داخل سياقٍ حضاري محدّد، وأنّ ما يُقدّم للعالم كقيمة مشتركة هو في الغالب التعبير الأكثر تهذيبًا عن مركزية الغرب. ومنذ أن أوصى ألفرد نوبل بأن تُمنح جائزته لمن “قدّم للبشرية أعظم فائدة”، صار السؤال الحقيقي هو: من الذي يملك تعريف الفائدة؟ ومن يملك حقّ تحديد معنى “البشرية”؟
منذ بدايتها في مطلع القرن العشرين، لم تكن الجائزة محايدة، بل كانت امتدادًا لضمير الغرب الحديث الذي يرى في ذاته معيارًا للعلم والعقل والأخلاق. فهي تمنح الاعتراف لمن يتكلم بلغة هذا الضمير ويعبّر عن قيمه، وتغض الطرف عمّن يقف خارجه أو يقترح أفقًا مغايرًا. وهكذا، فإن نوبل ليست تكريمًا للمعرفة في ذاتها، بل للمعرفة التي تنسجم مع السردية الغربية عن التقدم والحرية والعقلانية. وكل من لا يُترجم إبداعه إلى رموز هذه السردية، يظلّ غريبًا في عين لجانها، مهما بلغ من عبقرية أو أصالة.
وحين نقرأ تاريخ الجائزة، نكتشف أنّها كثيرًا ما كانت تُمنح لأسباب سياسية لا معرفية. ففي حقل السلام، مثلًا، كانت تُعطى لمن ينسجم مع المصالح الإستراتيجية للغرب أكثر مما تُمنح لمن يرسّخ العدالة أو ينهي الحروب فعلاً. حصل أنور السادات على الجائزة بعد توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، لا لأنه حقّق سلامًا شاملاً، بل لأنه تبنّى المنظور الأمريكي–الإسرائيلي للمنطقة. ونالها باراك أوباما قبل أن يبدأ مسيرته الرئاسية، وكأنها رسالة استباقية لتكريس صورة “الزعيم المثالي” الذي يحمل وعودًا ليبرالية، قبل أن تتضح سياساته الواقعية. أما حين تعلّق الأمر بشخصيات عربية أو إسلامية دعت إلى مقاومة الاحتلال أو فضحت الازدواجية الغربية، فقد ظلّ الباب مغلقًا، لأن معيار “السلام” في المخيال الغربي هو السلام الذي لا يهدّد توازناته.
حرمان العرب والمسلمين من نوبل ليس مسألة كفاءة فردية، بل انعكاس لتاريخ طويل من الإقصاء المعرفي. فالعقل الغربي الحديث، كما بيّنه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق، لا يرى في الشرق فاعلًا للفكر، بل موضوعًا له. إنه يدرسه ولا يصغي إليه، يصفه ولا يعترف به، ويضعه دائمًا في موقع التلميذ الذي يحتاج إلى إرشاد. لذلك فإن كل إنجاز عربي أو إسلامي يُقيّم بمعيار خارجي: هل يتحدث بلغة الغرب؟ هل يشارك منظومته القيمية؟ فإذا فعل، احتُضن ونال الاعتراف، وإن لم يفعل، ظلّ منسيًا أو مشكوكًا في علميته.
وهكذا نفهم لماذا حظي نجيب محفوظ بالجائزة حين بدا أن أدبه متصالح مع الرؤية الحداثية الغربية، ولماذا لم يُكرَّم أدباء أكثر عمقًا في التعبير عن التجربة العربية الصافية. ونفهم أيضًا كيف نال أحمد زويل جائزته وهو يعمل داخل مؤسسات أمريكية تمثل قمة الهرم العلمي الغربي، لا داخل منظومة عربية مستقلة. فالمكافأة هنا ليست فقط للعبقرية، بل للانخراط في البنية المعرفية التي تحتكر تعريف العبقرية.
إن نوبل في جوهرها جهاز رمزي لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية. إنها إحدى أدوات ما يسميه فوكو “السلطة المنتجة للحقيقة”، حيث لا تُمارس القوة بالقهر المباشر بل عبر تحديد ما يُعتبر علمًا، وما يُعتبر فنًّا، وما يُعتبر سلامًا. فحين تمنح الجائزة لكاتب يهاجم ثقافته الأصلية، أو لعالم يعلن ولاءه للمنهج الغربي، فهي في العمق تكرّس نموذج الإنسان الذي يتماهى مع خطابها وتستبعد كلّ من يقترح بديلًا حضاريًا. إنها لا تكافئ الاختلاف، بل تكافئ القدرة على التماثل تحت غطاء التنوع.
ولعلّ المأساة الأكبر ليست في هذا التحيّز فحسب، بل في أن العالم العربي نفسه بات يلهث وراء الاعتراف الغربي وكأنه الخلاص. صارت الجائزة، في المخيال الثقافي العربي، رمزًا للتفوق لا لحرية الفكر، ومعيارًا للقيمة بدل أن تكون نتيجة لها. نحن نعيش مأزقًا مزدوجًا: غربٌ يهيمن على أدوات الاعتراف، وشرقٌ ينتظر مباركته ليؤمن بذاته. وبهذا المعنى، فإن حرمان العرب والمسلمين من نوبل هو أيضًا انعكاس لعجزنا عن بناء مؤسسات معرفية مستقلة قادرة على إنتاج وتقدير القيمة من داخلنا، لا عبر مرآة الآخر.
إن جائزة نوبل تمثل اليوم قمة الهرم الرمزي للحداثة الغربية، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشتها الأخلاقية. فهي تُقدّم نفسها كسلطة أخلاقية كونية، بينما تمارس إقصاءً صامتًا لكل ما لا يتناغم مع روايتها عن التقدم. لقد تحوّلت من رمز للاعتراف بالإنسانية إلى رمز لاحتكار تعريفها. وحين يُقصى العرب والمسلمون من هذا الفضاء، فإن المسألة لا تتعلق بالموهبة، بل بموقعهم من شبكة السلطة التي تحدد من له الحق في أن يكون “كونيًا”.
إن تجاوز هذا الوضع لا يكون بالاحتجاج أو الشكوى، بل بخلق بدائل رمزية ومؤسسات فكرية تعيد تعريف القيمة والمعرفة وفق رؤية إنسانية أكثر توازنًا. فالمطلوب ليس أن نحصل على نوبل، بل أن نبني فضاءً معرفيًا يجعل نوبل ذاتها تفقد مركزيتها. حينها فقط يتحرر الإبداع العربي والإسلامي من حاجته إلى الاعتراف الخارجي، ويستعيد قدرته على إنتاج معنى جديد للإنسانية لا يقوم على التبعية، بل على الحوار بين العقول. فالغاية ليست الجائزة، بل كسر احتكارها لمعنى التفوق، واستعادة حقّ الإنسانية في التعدد لا في النسخة الواحدة التي يفرضها الغرب باسم الكونية.
الطاهر كردلاس
أكادير
2025/10/12





