أصداء مازغان : محمد امين سملالي
إذا كان هناك مكان في مدينة الجديدة يستحق أن يحظى بثورة عمرانية حقيقية بعد الصعود الصاروخي لموقع الجرف الأصفر، وظهور الصرح الجامعي أبي شعيب الدكالي، فهو بلا شك وسط المدينة.
لكن يبدو أن هذا القلب الحضري كتب عليه أن يتحول من فضاء نابض بالحياة إلى مجرد ديكور باهت يطل على البحر ، و الى كورنيش تصطف على جنباته إدارات فقدت مبرر وجودها في المكان، مع مساحات شاسعة من الإسفلت والخرسانة تنتظر منذ سنوات أن يمر بها شيء اسمه الحياة.
فالفكرة في الأصل كانت بسيطة وذكية حيث تمثلت في نقل مجموع مقرات الإدارات العمومية إلى حي المطار، حيث تتوفر المساحات والإمكانيات، وذلك من أجل تحرير الواجهة البحرية لتصبح فضاءا للترفيه والتنشيط والثقافة.
فهذا المشروع كان من شأنه أن يمنح الجديدة مركزا يليق بمدينة يتضاعف عدد سكانها وتتوسع أنشطتها الاقتصادية. لكن، وكما جرت العادة في كثير من المشاريع الكبرى، كان للمضاربة العقارية رأي آخر، وللمصالح الخاصة كلمة الفصل.
وهكذا، بدل أن يتحول وسط المدينة إلى فضاء عمومي مفتوح للجميع، تحولت بعض أجزائه إلى فرصة استثمارية للبعض.
حيث نبتت المقاهي والعمارات كما تنبت الأعشاب بعد المطر، واختلطت المصلحة العامة بالمصالح الخاصة.
ومع مرور السنوات، بدأت الإدارات العمومية تغادر المكان واحدة تلو الأخرى من مفوضية الشرطة و الامن الاقليمي والقباضة والمقاطعة الجماعية الثانية و مصلحة تسجيل السيارات… فجميعها حمل حقائبه ورحل، تاركا وراءه مركزا فارغا إلا من الذكريات وبعض الجدران و الاطلال التي تقاوم الزمن.
وحدها البناية التي كانت تحتضن مكتب الشؤون الاهلية خلال فترة الاستعمار و لاحقا احتضت مجموعة من تمثيليات بعض الادارات العمومية هي التي نجت من المصير نفسه بعد أن تم تحويلها إلى متحف لحفظ ذاكرة المقاومة و أعضاء جيش التحرير ، و هي تؤدي الآن دور الشاهد الصامت على ما كان يمكن أن يكون.
و حاليا يصعب إقناع أي زائر للمدينة بأن هذا المكان كان بحق يوما ما قلب الجديدة النابض.
فأمام الإنارة الخافتة، والحركة المحدودة، والفراغ الذي يلف الشوارع عند المساء، تعد عناصر تجعل المشهد أقرب إلى مدينة فقدت وظيفتها، منها إلى مركز حضري يفترض أن يحتضن الحياة.
لقد ضاعت فرصة ثمينة لإعادة رسم ملامح المدينة، وسجل موعد جديد في قائمة المواعيد التي أخلفتها الجديدة مع تاريخها.
وفي النهاية، لم يخسر وسط المدينة البحر ولا الموقع الاستراتيجي فحسب، بل خسر شيئا أكثر أهمية و هو الرؤية فحينما تغيب الرؤية، يصبح أجمل موقع مجرد عنوان من عناوين التراجع.





