أسرة الإعلام والنشر .. “مولود جديـد” في زمن “كوفيـد”  بقلم : عزيز لعويـــسي

0

أسرة الإعلام والنشر .. “مولود جديـد” في زمن “كوفيـد”

 بقلم : عزيز لعويـــسي

في زمن “كورونا” الذي وضـع الفاعليـن في مجال الإعـلام والنشر في صلب جائحة عالمية “غير مسبوقة”، أرخت بكل تداعياتها وتأثيراتها على واقع الممارسة الإعلامية، وفي ظل مأزق “الصحافة الورقيـة” التي استسلمت مبكـرا لعاصفة كورونا، واختارت بشكل اضطراري “المنفى الإلكتروني”، عقب  قـرار تعليــق إصدار ونشر وتوزيـع الطبعات الورقية، وقبل أيـام من إفراج الحكومة عن مرسوم يتعلق بالمصادقة على النظام الداخلي للمجلس الوطني للصحافة، الذي أثار موجة جدل متعدد الزوايا، بعد الإعـلان عن التعويضات المخولة لفائدة أعضاء المجلس، وبعد إصدار “المجلس”، لتقرير مرحلي، رصـد جانبا من الانتهاكات والخروقات التي طالت أخلاقيات المهنـة في زمن جائحة “كورونا”، وفي غفلـة من الكثير من الفاعلين والمهتمين بالحقل الإعلامي، ازدان  فــراش أسرة الإعلام والنشـر، بمولـود جديد من جنس “أنثى”، اختيـر لها من الأسماء “الجمعيـة المغربية للإعـلام والناشريـن” ( Association Marocaine des Médias et des Editeurs )، وهي المولودة التي خرجت إلى الوجود، بناء على “جمـع عام تأسيسي” انعقد يـوم الجمعة 19 من شهر يونيـو الجاري بالدارالبيضاء، بحضور عدد من الفعاليات الإعلامية المعروفة، الممثلة لجملة من الصحف والمواقع والمنابر الإعلاميـة.

وحسب ما ورد في بلاغ التأسيس المؤرخ بالدار البيضاء بتاريخ 19 يونيو الجاري (منشور بجريدة الأخبار ليومي 20 و21 يونيو 2020) فإن التكتـل المهني الجديد، تحكمت فيه الرغبـة في ” خلق محاور وازن في كل ما يتعلق بالصحافة والوضع الاعتباري للصحافيين، ومدافعا عن المهنة وأخلاقياتها، ويقـوي القطاع ويواكب مختلف التطورات المجتمعية التي يعرفها المغرب، ويضمن استمرارية المطبوعات الورقيــة والإلكترونية والإذاعية المغربية بشكل قــوي ودائم ومحترم، يــوازي قيمة الخدمة العمومية التي تفتخر هاته الصحف والمواقـع والإذاعات بتقديمها مهنيـا ووطنيا”، واستقراء لهذه التوجهات العامة، وبمفهوم المخالفة، يمكن أن نفهم كمتتبعين ومهتمين، أن المشهد الإعلامي يغيب عنه “المحاور الوازن” القادر على الدفاع عن المهنة وأخلاقياتها ومواكبة مختلف التطورات المجتمعية التي يعرفها المغرب، وبصيغة أدق، أن التنظيمات المهنية القائمة ومنها على الخصوص “الفدرالية المغربية لناشـري الصحف” و”الفدرالية المغربيـة للإعـلام” – حسب البلاغ -، لا تتوفر فيها شـروط “المحاور الوازن”، مما حرك الرغبة لدى المؤسسين الأوائـل، لخلق كيـان مهني جديـد، قـادر على تحقيق ما عجـزت عنه التنظيمات المهنية القائمـة منذ سنـوات، بما فيها التنظيمات النقابية التي تتحمل مسؤوليـة الدفاع عن المهنة والارتقـاء بمستوى الوضـع الاعتباري للصحافيين، كما أن رفـع شعار “الدفاع عن أخلاقيات المهنة”، من شأنه أن يمــس بصلاحيات “المجلس الوطني للصحافة” الذي يتملك الآليات القانونية والتنظيمية، لتنظيم المهنة وتأطيرها وصـون أخلاقياتهـا، وما هو باد للعيان، أن المولودة الجديدة لم تلق الترحاب المفترض، ووصفها  البعــض بنوع من “القربلة” في صفوف الناشريـن، واعتبرها البعض الآخر “انشقاقا ناعما” عن “الفدرالية المغربيـة لناشري الصحف”، ورأى فيها البعــض الثالث مرآة عاكسة للخلافات بين القيادات داخل البيت الفدرالي، مقابل ذلك، قـد يعتبـرها البعض، تجربـة جديدة مكرسة لثقافة “التــعدد” من شأنها إعطاء نفس جديد للجسد الإعـلامي.

وفي جميـع الحالات، ودون هدر الزمن في النبش في حفريات الدافــع أو الدوافع الحقيقية التي تحكمت في الانفصال أو الطـلاق، فما هـو باد لنا كمتتبعيـن ومهتميـن بالشأن الإعــلامي، أن “المولـودة الجديدة”، لا يمكن إدراجها إلا داخل نطـاق “الانفصال” أو “الطـلاق” أو “الانشقـاق”، بكل ما تحمله هذه التوصيفـات من إحالات على “كوفيـدات” شرسة، من قبيل  “التشرذم” و”التفكك” و”البلقنة”، والتي على ما يبـدو، أنها تسللت إلى الجسـد الإعلامي في ظرفية خاصة واستثنائية، تقتضي تملك آليات الوحدة والتعبئة الجماعية، من أجل الإسهام الجماعي في بلـورة إعلام قوي وموحد قادر على مواكبة متغيرات جائحة كورونا وما بعدها، وهو “انشقاق” أو “تشـرذم”، يحيلنا على الفيــروس المشاكس الذي ضـرب الجسد الحزبي لسنوات، وأطلق العنان لتفريــخ عدد من الأحزاب السياسية تكاد تكـون “نسخة طبق الأصل”، لم تكـرس إلا الضعف والعبث والهـوان، ونـرى أن ذات “الكوفيد” تسلل إلى جسد الإعــلام والنشر، ونتوقـع أن يحدث حالة من التفرقة والجدل والتوجـس والترقب والانتظار في أوساط الإعلامييـن والناشرين، بشكل قد يضعف من مناعة الوحدة، ويفتح شهيـة النعرات والقلاقل المغذية للانشقاق والانفصال.

وإذا كان الإعــلام طالما انتقد واقع الممارسة الحزبيـة وسلط نحوها أسلحة اللون والعتاب، كلما تخللتها مشاهد التشرذم والانقســام والشتات، فها هو الجسد الإعلامي ينحني اليــوم، أمام عاصفـة الانشقــاق، وهي وضعية – مشكلة، قد نفهـم من خلالها أن  التنظيمات الإعلامية القائمة تراجع منسوب مناعتها، ولم تعد قادرة على صناعة مناخ آمن يتيح فرص الحوار البناء والتواصل الناجع والتبادل المرن والسلس للسلطة أو القيادة أو المسؤولية، أو أنها باتت تحت رحمة الصراعات الخفية والمعلنة للأقطاب، بشكل يصعب إن لم نقل يستحيل معه فرض قواعد النظام والانضباط، مما يجعل من “الانشقاق” خيارا لا محيد عنه، وإذا كنت المناسبة تفرض تقديم التبريك للمؤسسين بمناسبة المولودة الجديـدة، فلا نجد بديلا لمباركة هذه التجربة المهنية الجديدة، لكن في ذات الآن، لا يسعنا إلا أن نقدم العزاء لأسرة الإعلام والنشر، لأنها انحنت عنوة أمام فيروس التفرقة والشتات، وبين الولادة الفجائية والعزاء الذي لا مفر منه، يمكن التساؤل عن القيمة التي يمكن أن تضيفها “المولودة الجديدة” لمشهد إعلامي بات  أحزابا وشيعا، وإلى أي مـدى ستتحقق معها الغايات والمقاصد التي وضعها المؤسسون الأوائـل، أم أنها لن تكــون إلا مولودة  جديدة، سجلت في الحالة المدنية للإعــلام لا أقل ولا أكثر، ولن تضيف أية إضافة في مشهد إعلامي غير متجانـــس، يصعب ضبطه وتأطيـره في ظل هيمنة الأنانية المفرطة والحسابات الضيقة والصراعات الخفية والمعلنة.

 وبين مرحب بالمولودة و معارض لها،  يصعب علينا “التموقع” في هذا الصف أو ذاك، أو اتخاذ موقف من المواقف بخصوص الولادة الجديدة، لأننا لسنا بصحافييــن، وعلاقتنا بالصحافة لا تتجاوز حدود المتابعة والتتبع، ولا تخرج عن أطر مواكبة ما يحدث في الساحة الوطنية عبر مقالات رأي، تجد ممـرات آمنة نحو عدد من المواقع والجرائد والمجلات الإلكترونية والورقية، لكن في ذات الآن، لا يمكن إلا البوح والاعتراف، برغبتنا الجامحة، في أن نحضى بإعلام “مهنـي” قــوي وموحد ومنسجم، متقيد بأخلاقيات المهنة، يعطي لمهنة “صاحبة الجلالة” قيمتها ورقيا وكبريائها، وهو طموح مشروع، يجعلنا لا نتـردد في إشهار أسلحة “اللوم” و”العتاب” و”الإدانة” في وجه كل تصرف أو ممارسة “غير مسؤولة” من شأنها إضعاف المهنة وتمزيق “اللحمة الإعلامية”، فيكفينا معشر الإعلامييـن والناشرين، ما نعانيه من تعدد حزبي، لم يكــرس إلا الضعف والشرود والارتباك والتيهـان، فلا تعمقـوا بــؤر الجــراح، وليس أمامكم من خيار، ســوى الالتزام بقواعد “تحديد النسل” حتى لا تكثروا “الفـراخ”، وإلا صرتـم “فراخ” و”فراخ” و”فراخ”، ونختم القول، بتجديد التبريك لمن تبنى المولودة الجديدة، عسى ألا تكــون الولادة “غير المتوقعة” محركا لعجلات الخلاف والانقسام والتنديــد …

Laaouissiaziz1@gmail.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.