بواعث الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى والعصور الحديثة بقلم : الباحثة مينة اليقين

0

 

بواعث الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى والعصور الحديثة

الباحثة مينة اليقين

شهدت العصور الوسطى خروج اعداد كبيرة من الرحالة الأوروبيين صوب الشرق، حيث أنه كان يمثل لهم عالما غامضا ومجهولا استوجب استكشافه، وكشف أسراره وفك طلامسه.

فمنذ أن أدرك الإنسان واكتشف أن العالم الذي يعيش فيه شاسع مترامي الأطراف، متنوع الأعراق،متعدد الألسن واللغات والثقافات، كان عليه أن يجوبه ويرتحل عبر مدنه وقراه ليكشف عن تقاليد أقوامه وغرائب وطبائع شعوبه، ويتعرف إلى بيئات مختلفة عن بيئته التي نشأ وترعرع فيها، وبالتالي يرى ذاته في مرآة غيره، يدفعه في ذلك شوق المغامرة والسفر لرؤية بقاع جديدة، ويحدوه فضول المعرفة وطلب العلم.

كان الشرق الإسلامي من بين المناطق التي استحوذت اهتمام الرحالة الأوروبيين، وكانت  السمة الغالبة في كتاباتهم ورواياتهم تجنح إلى المبالغة والخيال، ورسموا اللامعقول عن الشرق وتحدثوا عن صورته البدائية التي أرساها هيرودوت في الذهن الأوروبي عن الشرق، وامتد هذا التيار في كل الكتابات الرحالة الأوروبيين حتى وقتنا الراهن.

تنوعت دوافع اهتمام الأوروبيين بالعرب وتاريخهم وحضارتهم. ففي العصور الوسطى تميزت بترجمة كتب الطب والعلوم عن العربية إلى اللاتينية، وأول عمل في هذا المجال ثم عام 1070م. كانت الغاية من دراسة التاريخ العربي والحضارة الإسلامية البحث عن ثغرات المسلمين وتسليط الضوء عليها، تمهيدا للسيطرة على شعوبها، وإخضاعهم تحت الهيمنة الأوروبية ، ومن بين هؤلاء جيرار الكريموني ، ورامون ليل، وغليوم بوستلي. لكن كان هناك آخرون منصفين في كتاباتهم مثل بوير وسارتون.

اختلفت بواعث الرحلات والزيارات الأوروبية إلى الشرق في العصور الوسطى، وتعددت رغباتهم باختلاف الأزمنة والأحوال التاريخية ، ويمكن إجمالها فيما يلي:

رحلات الحج الدينية: ففي العصر الوسيط أو ما يعرف بعصر الإيمان ، كان الباعث الأساسي لهذه الرحلات هو الحج. حيث أن المسيحيين كانوا يرون أنه كان لزاما عليهم زيارة البلد الذي عاش فيه مخلصهم ، والتبرك بترابه وبمشاهدة آثاره وآثار حوارييه، ومع أن الكنيسة لم تهتم في أول الأمر بهذه الرحلات إلا أنها ما فتئت أن استحسنتها، وجعلتها من الأمور التي تستوجب تكفير الذنوب، ونيل الثوبة. فظهر عدد كبير من الحجاج القادمين إلى الأراضي المقدسة، وعكفوا على تسجيل رحلاتهم التي وصفوا فيها جغرافية الأرض المقدسة، وسلطوا الأضواء على أوضاع المناطق التي قاموا بزيارتها الدينية منها والإجتماعية والمذهبية والسياسية والإقتصادية . فأصبحت هذه البقاع كدليل سياحي لمن يريد أن يرتاد هاته المناطق. فتعددت الرحلات وكثرت المؤلفات التي تتحدث عن الحج والطرق المؤدية إلى الأراضي المقدسة. 

الرحلات التجارية: أما في فترة الحروب الصليبية، فقد دخلت التجارة إلى جانب الحج في البواعث على الرحلات، والتنقل والأسفار، فتقوت بعد خروج الصليبين من سوريا، ونشط التجار في توطيد العلاقات مع سوريا وتجديدها مع مصر، وإن جميع الرحالة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر يشيرون إلى البيوت التجارية والفنادق التي كانت للأوروبيين في الإسكندرية والقاهرة وعكا وبيروت ودمشق وغيرها.

لقد كانت الحروب الصليبية بداية مباشرة لحركة التوسع الأوروبي والسيطرة على الشرق العربي، من خلال رحلات الحج أو من خلال التجارة، أو من خلال جمع معلومات إثنوغرافية متفاوتة الدقة حول العالم العربي، مما أدى إلى إثارة النعرات والغيرة على الأراضي المقدسة، من أن تعيث بها الأيدي المعادية للمسيحية.  كما تسببت في تفجير الصراع العميق بين الشرق والغرب، والذي طال جميع المستويات. فقد كانت صورة العرب، في عيون الغرب شعبا بدويا، غير مسيحي، بربريا ومتوحشا، يفتتح وينهب، في يده اليمنى السيف ، وفي اليسرى القرآن، وهذه الصورة لونت آراء معظم الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى ، والتي اتخذت من الصراعات بين المسلمين والمسيحيين، باعتبارها صراعات بين أعداء كفار ومؤمنين مسيحيين.

كما كانت كتابات الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى البداية الحقيقية لظاهرة الإستشراق، واتصال الشرق بالغرب، وتتبع أخباره وثرواته وشعوبه، وهي كتابات ساهمت في زيادة التعرف على المنطقة وعلى جغرافيتها، مما أدى إلى توظيف هذه المعلومات لصالح الإستعمار الأوروبي لاحقا.

كما أن من الرحالة من جاء إلى الشرق قصد الاستقرار فيه، إما لأنه لم يجد في بلده ما يسد رمقه لضيق العيش، أو للتحرر من الرق السياسي والإقتصادي، أو رغبة في التخلص من الفتن والحروب الداخلية ومن الخلافات السياسية التي شبت في بلده.

إلى جانب ذلك كانت الفروسية عاملا من العوامل التي دفعت الفرسان إلى السفر والترحال إلى الأراضي المقدسة. فالفارس النبيل كان يرغب أن يلمس سيفه المقدس، في كنيسة القيامة بالقدس، لأن ذلك سيزيد من قدره ورفعته، وكذا سيمكنه من إشباع رغبته في التعرف على سحر وغرائب المشرق وقصصه التي طالما سمعها من قصص العائدين منه.

التبشير بالمسيحية: كان التبشير بالمسيحية أحد الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بالرحلات نحو الشرق. فكانت نشاطات الإخوان الرماديين Friars Minor  الذين أقاموا مراكز للقساوسة في إمبراطورية المغول للسيطرة على الشرق. إذ حدث نشاط دبلوماسي كبير من أجل عقد حلف بين الطرفين. فقامت عدة اتصالات بين البابوية والمغول من أجل استثارة واستعداء هؤلاء على المسلمين، لغرض إنقاد المملكة الصليبية في الأراضي المقدسة. ومن أبرز هذه الرحلات رحلة الراهب الدومنيكي أسكلين اللومباري، ورحلة الراهب الفرانسيسكاني وليم البروبروكي الذي حمل رسالة من الملك الفرنسي الصليبي لويس التاسع.

رحلات سياسية: أخدت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين تأخذ حيزا في التعامل بين الطرفين، حيث أصبحت أكثر واقعية بحكم تواجد مشتركات تاريخية في معم مشترك، وبحكم منطقة انتشار الحضارة الإسلامية في المناطق التي انتشرت فيها المسيحية، وتوازن في القوى السياسية.

فقد بدأت الأهمية السياسية للقاهرة تتصاعد مع مرور الزمن، حتى صارت عاصمة سياسية فعلية للعالم الإسلامي في عصر السلاطين المماليك، بعد أن أحيا السلطان بيبرس الخلافة العباسية، إحياء شكليا سنة1261م.

فأصبحت القاهرة وجهة للعديد من الهاربين من تاقم الأوضاع، وللرحالة الأوروبيين في تلك الفترة الزمنية. ومن ثم شرعت الدول الغربية في إرسال السفراء وتعيين القناصل لتمثيلها دبلوماسيا .ولئن كانت الحروب الصليبية سعت للثأر من الإسلام ومعاداة شعوبه، إلا أنها خلفت لونا من العلاقات غير الحرب والعداوة، وهو التجارة والتبادل الدبلوماسي. ومن أبرز البعثات التي أرسلت إلى الشرق نذكر البعثة الفلورنسية إلى القاهرة، والذي اضطلع بها السفير دي لاستوفا سنة1489م، أرسل بابا الفاتيكان ألوسنت الثامن 1484-1492) موفدا له إلى القاهرة لغرض تأكيد وإبقاء الإمتيازات الممنوحة للرهبان الفرانسيسكان في جبل صهيون، والتي قام  بتأكيدها سابقا في السنوات 1427و 1464م. وهكذا ظهر نوع جديد من الرحالة السفراء في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

رحلات علمية: حيث لم يعدم وجود رحالة زاروا الشرق للدراسة العلمية، إلا أن هذا النوع جاء متأخرا في أواخر القرن الخامس عشرو بدايات القرن السادس عشر، حيث تميز بوجود رحالة قاموا بزيارة الشرق للدراسة العلمية، إذ تغيرت النظرة إلى الرحلة على أنها عامل تهذيبي يوسع الأفق العلمي والمعرفي ، وينمي العقل.

من أشهر الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى الذين زاروا المشرق نجد سايولف الذيقام برحلته فيما بين1102-1103م،ودانيال،(1106-1107)، وفتيلوس(1118-1130م)،ويوحنا الورزيرجي(1160-1170)، وأبوفروزين)1162-1172م، وبناحيا الراتسبوني(1174-1187م)، ويوحنا فوكاس1185م، وفي العام 1220م مر أشهر مستكشفي العالم، ماركوبولو على مقربة من عدن.

رغم كتابات الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى، إلا أنها اتسمت بالانحياز وبعدمالموضوعية، وهذا ما أكده ويليام ميلر في حديثه عن رحلات الأوروبيين إلى الشرق حيث قال: »إن معظم من كتب عن هذه المنطقة يتعاملون مع الموضوع بروح الانحياز وعدم الحيادية ». فالشرق في نظر هؤلاء متعصب، قذر في العادات، متعجرف ويحب السيطرة والعبودية، والبغاء وتعدد الزوجات.

وفد اعتمد بعض الرحالة في هذه المرحلة التاريخية قصص هذه الرحلات الخيالية الواردة في السندباد البحري، وعلي بابا والأربعين حرامي، وفي ألف ليلة وليلة، والتي كان لها الأثر البالغ في الأدب العالمي ونشوء فن خيال الظل. ‏

الرحالة في العصور الوسطى

أما في العصور الوسطى وخلال عصر النهضة ازداد الاهتمام الأوروبي بالشرق، ليصل إلى ذروته في القرن الثامن عشر، الذي يطلق عليه قرن الرحالة الباحثين عن المعرفة ليشهد القرن التاسع عشر والعشرين سيلا من الابداعات العالمية، ويقسم دوافعهم إلى : حب السفر والترحال، علمية، دينية، ترجمات معاني القرآن الكريم، الحروب الصليبية، ترجمات ألف ليلة وليلة، كتاب وصف مصر، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية، استشراق.

‏اتخذ الاهتمام بالشرق ‏اتجاها آخر نتيجة للتوسع الاستعماري والتجاري، ونتيجة لما أحدثته ‏الثورة الصناعية.

ففي القرن الخامس عشر بدأ تفكير الأوروبيين ينصب في اكتشاف مناطق جديدة لتصريف بضائعهم، وتوسيع نفوذهم التجاري . وكانت أولى الدول التي سيرت رجالها لاكتشاف المناطق المجهولة هي البرتغال. كانت دوافعهم مختلفة، فمنهم من قصد الشرق للتجارة، او المغامرة، أو الاستطلاع، أو لمجرد الخروج بمؤلفات إبداعية فريدة. فكان حب المعرفة الذي طبع عصر التنوير عاملا أساسيا في توسيع الرحلات الاستكشافية للشرق العربي.

وساعد على ذلك تحسن وسائل النقل بعد اكتشاف البخار، واتساع نطاق الصراع البريطاني الفرنسي.

اتسمت كتابات الرحالة الأوروبيين في هذه المرحلة بالدقة ، والإلمام والفهم الكبير للمنطقة ولسكانها. فكانت أكثر إدراكا وأوسع من كتابات العصور الوسطى.، لتوافر الخبرات في هذا المجال، ووضوح أهمية العامل الديني والسياسي والعسكري والثقافي والنفسي، ولتطور وسائل النقل والاتصال، والاطلاع على رحلات وتقارير ومؤلفات من سبقهم إلى هذه المنطقة، وللقناعات الشخصية لمؤلفي كتب الرحلات في تناول شتى الموضوعات التي تخص المشرق والشرقيين بصفة عامة.

فنرى تواجد رحلات علمية كتبت في القرن السادس عشر، مثل رحلة ليونهارت راوولف المخصصة لدراسة الأعشاب، وكذلك رحلة العالم الدانماركي كارستن نيبور في القرن الثامن عشر، بمعية بعثة ضخمة لدراسة الشرق الأدنى فيكافة المجالات، السكان، المدن، وطرق النقل، والآثار، وجمع المخطوطات، النباتات، المعادن، وغيرها.كما ساهمت بعض كتابات الرحالة الأوروبيين واكتشافاتهم الأثرية، وتقديم معلومات خاصة ببعض الدولك العراق مثلا، إلى توجيه أنظار الدوائر السياسية الإستعمارية إلى المنطقة لإقامة مستوطنات  وللإستيلاء على مصادر الطاقة الجديدة. ومن هؤلاء الرحالة فون أوبنهايم الذي ألف كتابين بالألمانية عن مكتشفاته الأثرية في تل حلف، وأكد أحد أساطين السياسة الاستعمارية الألمانية وهوبأول روهرباخ  معلومة وجودمنبع غنيمن النفط بجوار نينوى، حيث تمر سكة حديد بغداد برلين.

تبانت الرحلات العلمية للشرق العربي ، فمنها ما أسهم في تحقيق أهداف استعمارية، ومنها ما كان لتحقيق أمجاد شخصية ومكاسب علمية، وإن ارتبطت بدوائر سياسية استعمارية.

ومن بين الرحلات العلمية نجد رحلة الضابط البريطاني ريتشارد بيرتون الاستكشافية إلى مصر لاستكشاف نهر النيل، ورحلة دومنيكو باديا 1803-1807م، والذي تنكر في زي العرب وتسمى بعلي باي العباسي، ووارستارثو فرانسيسكو، التي كانت له رحلتان: الأولى للمغرب العربي، والثانية للحجاز، للتعرف على البلاد الإسلامية والتجول في بقاعها،وتسجيل الانطباعات عنها.

 وهناك رحلات علميةلدراسة مراحل وأحداث تاريخية دينية، كما في رحلة تشارلز كليرمونت كانو بصحبة المهندس المعماري ليكوم دي نوي إلى فلسطين، ورحلات لتحقيق أحلام وأماني الرحالة الأوروبي، كرحلة الطبيب الكرواتي فران س.جوندورم إلى مصر في بداية القرن العشرين، ورحلات  ارتبطت بمهمات دبلوماسية، سواء كانت سرية أم معلنة، لتحقيق أهداف ذات صلة بالتوسع الاستعماري في ظل التنافس الدولي على مناطق النفط.

تعد كتابات الرحالة الأوروبيين مصدرا مهما بالغ الأهمية في المكتبات الثقافية عامة، وفي الكتابة التاريخية خاصة، لاسيما في العصور الحديثة، وتزداد أهميتها بالنظر إلى طبيعة المناطق الجغرافية التي زارها الرحالة ووثق معلوماتها.ولأهميتها استوجب إخضاعها للنقد التاريخي، إذ أن بعضها تنقصه الدقة والموضوعية، والأمانة العلمية، لذا كان من الضروري أخذ الحيطة والحذر في معالجة ما أوردوه من كتابات وروايات ، وعدم الأخذ بها كمسلمات تاريخية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.