أمير الأسرى.. وليد دقة.. بقلم حسن العاصي

0

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

أمير الأسرى.. وليد دقة..

المثقف المشتبك

مرة أخرى العودة إلى الكتابة المؤلمة عن قضية الأسرى الفلسطينيين الأجلاء الشرفاء العظماء في معتقلات الموت الصهيونية.

يموت السجان وأحلامهم لا تموت. رغم بشاعة السجن، وفظاعة الزنازين، وقبح السجان وفجوره، يظل الأسرى الفلسطينيون وحدهم ينتظرون بتطلع وترقب قدوم ساعة الحرية لهم وللوطن المغتصب. يزدهون بفخر مثل شعاع الأمل، يعلّمون العالم أجمع أبجديات الثبات على الحق، والصمود بوجه السياسات القميئة لسلطات الاحتلال الصهيونية، وطغيان إدارة السجون الإسرائيلية الوضيعة.

أمير الأسرى

واحداً من أهم مثقفي ومفكري الحركة الاسيرة الفلسطينية. أحد أبرز عمداء الأسرى. سادس أقدم أسير فلسطيني في الزنازين الصهيونية. أحد ثلاثين أسيراً معتقلين منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو المذلة. واحداً من أعظم أيقونات الصمود والتحدي. من أشهر القيادات النضالية في السجون الصهيونية. تم اعتقاله 25بتاريخ آذار/ مارس عام 1986. يبلغ من العمر الآن تسعة وخمسون عاماً. أحد اشد حالات الأسرى الفلسطينيين المرضى المصابين بالأمراض المزمنة في سجون الاحتلال.

إنه الأسير المثقف المشتبك وليد دقة من باقة الغربية بمنطقة المثلث في فلسطين المحتلة من مواليد الأول من يناير 1961، دخل السجن قبل ستة وثلاثين عاماً. محكوم بالسجن المؤبد مدى الحياة، بعد إدانته ورفاقه إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة بالعضوية في خليّة نفذت عملية خطف وقتل الجندي الاسرائيلي موشي تمّام في العام 1984.

مثل أي أسير فلسطيني، له حكايته وخصوصيته. وقد عُرف عن الأسير وليد دقة تحديه الشجاع لإرادة السجان الغاصب والمحتل. لم يقف سجنه أمام طموحه العلمي، إذ لم يمنعه الأسر من إكمال دراسته الجامعية، حتى حصوله على لقب ماجستير في العلوم السياسية.

وليد تجسيد حي عن معاناة وعذابات الأسرى عموماً، وخاصة أسرى الداخل الفلسطيني الذين تم اعتقالهم ما قبل اتفاقية أوسلو البغيضة، وترفض سلطات الاحتلال الصهيونية الإفراج عنهم.

أحد أهم مثقفي ومفكري الحركة الأسيرة في فلسطين. لم تنل سنوات الأسر من عضد وليد دقة وعزيمته يوماً. إضافة إلى أنه تمكن من إكمال دراسته الجامعية، برز قائداً مقداماً في جميع نضالات وتحركات وإضرابات كل الأسرى. شخصية قيادية غير انفعالية، يجيد إدارة المعارك مع إدارة السجون الإسرائيلية. موقعه في مقدمة معارك الشرف التي يخوضها الأسرى الفلسطينيين مع السجانين الصهاينة على الدوام. مناضل محنك سياسياً، ورجل مثقف ثقافة عالية، كتب الكثير من المقالات والدراسات في سجنه، تم تهريب معظمها إلى خارج السجون ونشرت، وبعضها تم اعتمادها أيضاً داخل السجون والمعتقلات كمواد تثقيفية للسجناء. تم تحويل نصه الذي كتبه في الأسر بعنوان “الزمن الموازي” إلى مسرحية تم تقديمها على مسرح الميدان في مدينة حيفا المحتلة، مما أربك سلطات الاحتلال، التي أخذت تبحث كيف تم تسريب النص المسرحي خارج السجن، وكيف تتجرأ فرقة مسرحية فلسطينية تحويله إلى عمل مسرحي وتقديمه للجمهور. يصف وليد دقة، في النص المسرحي حالة السجناء ونظام حياتهم في الأسر داخل الزنازين، حيث يشرح هذا الوضع بأنه عبارة عن حياة تسير في زمن موازٍ للزمن الذي يعرفه بقية الناس.

يقول وليد “أكتب حتى أتحرر من السجن على أمل أن أحرره مني”

من بين الكتب التي أصدرها رواية بعنوان “حكاية سر الزيت” تدور أحداثها حول صبي فلسطيني اسمه جود في الثانية عشرة من عمره، وعلاقته مع والده الأسير، وارتباطه بشجرة زيتون عمرها 3000 عام، وكأنه يجسد صمود الأسرى وإرادتهم، ويخاطب المحتل والعالم قائلاً: إننا هنا منذ فجر التاريخ بتاريخ.

وكتب أخرى أبرزها “الدولة والدولتين”، “جنين تقاوم” و”صهر الوعي”، ورواية لليافعين، التي حصدت جائزة اتصالات الإمارتية لأدب اليافعين.

أغرب وأجمل عقد زواج في التاريخ الفلسطيني

الأسير النبيل وليد دقة تعرف إلى المترجمة والمناضلة الفلسطينية، ابنة مدينة اللدّ سناء سلامة عام 1996 أثناء زياراتها المتكررة للسجون. ثم تزوّجا على الورق في العام 1999، وتم عقد القران في ظروفٍ بالغة التعقيد في سجن عسقلان، حيث شكل زواجهما سابقة في تاريخ الحركة الأسيرة.

رفضت السلطات الصهيونيّة منح الزوجين فرصةَ التواصل الطبيعي لإنجاب طفل. واستمر وليد وسناء بنضالهما القانوني من دون أن يفضي إلى أية نتيجة إيجابية، نتيجة العجرفة والظلم الذي تمارسه سلطات الاحتلال، واستهتارها بالحقوق الإنسانية الطبيعية للأسرى وعموم الفلسطينيين. رفضت إدارة السجون الإسرائيلية للزوجين الاجتماع سوياً، وذلك بحجة تشكيل خطر على أمن الدولة.

لكن هذا لم يمنع من استمرارهما المحاولات، إلى أن تمكنا من إنجاب طفلتهما “ميلاد” في 3 شباط /فبراير 2020، وذلك عبر “نطفة محررة” تم تهريبها من السجن.

ولعل هذه القصة الاستثنائية لزواج الأسير وليد وسناء، وحكاية إنجاب ابنتهما ميلاد، تمثل انتصاراً للحياة والأمل على القهر والقمع، انتصاراً لإرادة وعزيمة الأسير وتمسكه في حقه الإنساني والسياسي والوطني، على تعسف إدارة السجون واستبدادها. تأكيداً على أن لا سنوات الأسر، ولا كافة أساليب القتل والقهر يمكن لها أن تنال من إصرار وعزيمة الأسرى العظماء ومعهم كافة الفلسطينيين بحقوقهم، على الرغم من ألم قضبان الاعتقال.

حالة وليد الصحية

بعد ستة وثلاثين عاماً أمضاها الأسير المثقف العضوي المشتبك وليد دقة في أعتى وأقذر السجون والمعتقلات الإسرائيلية، تدهورت حالته الصحية، وأصيب بعدد من الأمراض نتيجة ظروف اعتقاله، والإهمال الطبي المتعمد بحقه من قبل إدارة السجون الصهيونية. حين تم إجراء فحوصات للأسير دقة في العام 2015، تبيّن أنه يعاني من كثرة كريات الدم الحمراء “بوليتسيتيميا”، الأمر الذي يتطلب إجراء عمليات فصد بمعدل مرتين أسبوعياً وبشكلٍ منظم ودائم.

غالباً ما تقوم إدارة السجون الصهيونية بنقل الأسير الصنديد وليد دقة إلى قسم العزل الانفرادي، لأسباب واهية متعددة في كل مرة. بهدف كسر روحه المعنوية.
وهو الآن يقبع في زنازين العزل الانفرادي رغم ما يعانيه من وضعٍ صحي صعب وخطير. وفي الثاني من فبرابر الجاري، رفض دقّة تلقي العلاج من طبيب السجن احتجاجًا على عزله دون إعلامه بتفاصيل أو مدة العزل، ولعدم ملائمة العلاج في عيادة السجن.
إن سياسة العزل المُمنهجة التي تتبعها مصلحة السجون الإسرائيلية بحق الاسرى الفلسطينيين، لا تمت للإنسانية بصلة، خاصةً بحق الأسرى المرضى وأصحاب الأحكام العالية.

أم القضايا الوطنية.

قضية الأسرى الفلسطينيين في معتقلات الاحتلال الصهيوني تشكل أحد أهم محاور الصراع مع سلطات الاحتلال، إضافة إلى كونها قضية إنسانية مشرّفة، وتستحوذ على اهتمام كافة مكونات الشعب الفلسطيني، حيث قضية الأسرى في عمق الوجدان النضالي والإنساني للفلسطينيين، باعتبارها قضية تمثل قيماً كفاحية في التاريخ الفلسطيني.

ينفذ العدو الإسرائيلي سياسة القتل البطيء بحق الأسرى الفلسطينيين القابعين في زنازين الاحتلال، من خلال حرمانهم من أبسط حقوقهم في العلاج وتوفير الأدوية، ومنع وصول المعقمات وأدوات التنظيف إليهم في ظل انتشار وباء كورونا، وتقوم إسرائيل بتنفيذ هذه السياسة التي تقرها جهات عليا، بشكل متعمد لممارسة أكبر ضغط ممكن على الأسرى وعلى القيادات الفلسطينية، لتفتيت إرادتهم النضالية.

على سبيل الذكر لا الحصر، فإن الأسير سامي أبو دياك فقد حياته داخل السجون الإسرائيلية وهو مكبل الأيدي والأرجل بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، حيث اشارت جميع التقارير الحقوقية إلى أنه توفى جراء الإهمال الطبي المتعمد.

ويمارس الاحتلال الإسرائيلي نفس هذه السياسات القذرة مع باقي السجناء ويحرمهم من العلاج والأدوية، فيما الكثير من الأسرى الفلسطينيين الابطال حياتهم مهددة بالخطر بسبب الأمراض التي يعانون منها.

تواصل سلطات الاحتلال محاولتها الفاشية في التنغيص على الأسرى والتهجم على حقوقهم والتضييق عليهم، في كل تفاصيل حياتهم اليومية. في استهتار مرة أخرى بحياة الأسرى الفلسطينيين، ولا مبالاة بالقانون والأعراف الدولية أقدمت سلطات الاحتلال الصهيوني في عام 2019 على إقرار قانون لتجميد تمويل علاج الأسرى الفلسطينيين في سجونها، وأكدت أن علاج الأسرى يجب أن يكون على حسابهم. كما تسعى الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ قانون سلب مخصصات عائلات الشهداء والأسرى، عبر خصم المخصصات من عائدات الضرائب التي يتم جبايتها لصالح السلطة الفلسطينية. وبحسب بعض المعلومات فقد تم إغلاق أكثر من 90 حساباً بنكياً لعائلات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من قبل أحد البنوك.

حريتهم بوابة لحرية الوطن

الأسير المناضل وليد دقة من أبرز المثقفين والمؤثرين داخل السجون الصهيونية، وسياسة العزل الانفرادي سياسة للقمع والتنكيل بحق الأسرى الفلسطينيين. برز دوره النضالي كأحد كوادر الحركة الأسيرة، ومثقفيها، كما ويقوم بدورٍ هام على صعيد التعليم الأكاديمي للأسرى، ونتيجة لشخصيته القيادية المحببة، ولحضوره الفاعل بين الأسرى، فإنه ظل في دائرة استهداف إدارة السجون وأذرعها الأمنية للنيل منه ومن فكره ومكانته في الحركة الأسيرة، ومن فلسفة التفكير التي يملكها، خاصة في ظل الحراك النضالي المُستمر داخل السجون.

وأنتم تقرأون هذه الكلمات ما زال الأسير المثقف العاشق القائد المفكر وليد دقة يقبع في زنزانته بمعتقل “ريمون” الذي يعتبر واحداً من أكبر السجون الصهيونية التي تضم أسرى فلسطينيين، وأكثر المعتقلات وحشية ودموية، حيث يشهد هذا المعتقل صدامات مستمرة بين الأسرى وإدارة السجن.

وليد ينتظر أن يتحرر من السجن وهو يعلم أن الحق لا يناله إلا الأحرار، ولا يطالب به إلا الأحرار، ولا يستحقه إلا الأحرار. وأن الطغاة مهما تجبروا واستبدوا لن يتمكنوا من حجب شمس الحرية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.