2020 : ”محمد السادس”.. شخصية السنة بامتياز بقلم : عزيز لعويــسي

0

2020 : ”محمد السادس”.. شخصية السنة بامتياز
بقلم : عزيز لعويــسي

يطوي العالم لطي صفحة سنة 2020 التي تميزت وتفردت عن مثيلاتها من السنوات، بجائحة كورونا التي وضعت دول وشعوب العالم في خندق واحد لمواجهة فيروس تاجي مجهري (كوفيد -19) أربك الدول وأرهق الشعوب وزحزح الكثير من القيم المجتمعية والإنسانية، من قبيل التضامن والتعاون والالتزام والصبر والمسؤولية والمواطنة والانضباط والتضحية ونكران الذات، وغير النظرة إلى العالم وإلى الكثير من المفاهيم المجردة كالموت والحياة والقوة والضعف والشك واليقين والأنا والآخر والحرية والسجن والدولة والعولمة والقانون والسلطة وغيرها، وعرقل عمل الإدارات والمؤسسات وعطل الكثير من الخطط والمشاريع، وأوقف عنوة حياة مئات الآلاف من البشر عبر العالم منهم رجالات سياسة وفكر وثقافة وفن وإبداع، غادرونا إلى دار البقاء، لم يصمدوا أمام سلطة وجبروت فيروس مجهري، بقدر مجهريته، بقدر ما حير العالم بكباره وبسطائه وصغاره.

وفي ظل هذا الواقع الوبائي الاستثنائي، وخلافا للسنوات السابقة، لاشك أن أحلام وتطلعات شعوب العالم، تتوحد بشكل غير مسبوق في أن تحمل السنة القادمة (2021) بشرى الخلاص من عدو مشترك، غير عنوة طقوس حياتنا وأنماط عيشنا، وآمال الانعتاق من طقوس الجائحة المرعبة، وإذا كانت المناسبة، تقتضي استحضار شريط سنة 2020، فلن نجازف في النبش في حفرياتها، لأن سلك هذا المسك، لن يكون إلا نبشا في ذاكرة ما أحدثته الجائحة المرعبة من أحزان وآلام وأوجاع وهلع وخـوف على امتداد أشهر، ولسنا في هذا الإطار على استعداد للخوض في تفاصيل المآسي في سنة المآسي، لأننا سئمنا التوجس وضقنا ذرعا من القلق والمآسي.

وإذا كانت عيون الإعلام والمتتبعين، تنصب عادة في نهاية كل سنة على إبراز شخصيات السنة أو الشخصيات الأكثر حضورا وإشعاعا في السنة الراحلة، فيصعب الاختيار في زمن الارتباك وموسم المآسي، كما يصعب فرز الاستثناء في زمن الوباء، لكن إذا كانت المناسبة تقتضي اختيار “شخصية السنة” في هذا الزمن الاستثنائي، فلن نتردد في اختيار “الملك محمد السادس” شخصية السنة بامتياز، وهو اختيار لم نجد أي عناء في التفكير فيه ولم نهدر أية طاقة أو جهد في التوصل إليه، وما يزكي طرحنا واختيارنا، ما صدر عن الملك طيلة هذه الأزمة الوبائية غير المسبوقة، من مبادرات رائـدة تجعل منه شخصية السنة بامتياز، سواء تعلق الأمر بتدبيره المحكم لجائحة كورونا أو بما أعلن عنه من قرارات رامية إلى إعادة العافية للاقتصاد الوطني أو في تضامنه الإنساني مع الكثير من البلدان الإفريقية الشقيقة والصديقة، أو في دبلوماسيته الناجعة والمتبصرة التي دعمت الوحدة الترابية للمملكة وكرست المغرب قوة إفريقية رائدة، أو في جنوحه نحو قيم الأمن والتعاون والسلام والعيش المشترك، وفيما يلي سفر مجاني في عام المآسي، حاولنا من خلاله استحضار ما صدر عن المؤسسة الملكية من قرارات ومبادرات استثنائية في زمن استثنائي، وذلك على النحو التالي :

– رهان على التضامن كأسلوب للتصدي للجائحة :
إذا كان من الصعب، الإحاطة بما صدر عن المؤسسة الملكية خلال هذه الظرفية الخاصة والاستثنائية من قرارات رائدة متعددة الأبعاد، في مقال يقتضي الامتثال لسلطة الإيجاز، فهذا لا يمنع من توجيه البوصلة نحو بعض تجليات التدبيـر الملكي للجائحة، وفي هذا الصدد، فالمنطلق لن يكون إلا عبر القرار الملكي الرائد بإحداث “صندوق تدبير جائحة كورونا” الذي شكل إبداعا مغربيا خالصا، كان لابد من الرهان عليه لتدبير الجائحة، لاعتبارين اثنين، أولهما: ما يتملكه الشعب المغربي من قيم التعاضد والتضامن خاصة في اللحظات الحرجة، وثانيهما: الإدراك أن إمكانيات البلد “محدودة” (اقتصاديا، اجتماعيا، صحيا)، ولا يمكن الوقوف في وجه الجائحة العنيدة، إلا بالتعبئة الجماعية والوحدة الوطنية واستثمار القدرات الذاتية، وبفضل هذا الصندوق التضامني، أمكن الرفع من قدرات المنظومة الصحية الوطنية وتقديم الدعم المادي للمقاولات والفئات الاجتماعية المتضررة من هذه الأزمة الفجائية، مما خفف من حدة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الوبائية الكاسحة.

حس تضامني ملكي، وازته تعبئة جماعية متعددة الزوايا، حملت توقيع الحكومة بمكوناتها ولجنة اليقظة الاقتصادية والسلطات الصحية والأمنية والإدارية والمجتمع المدني والمقاولات المواطنة والأفراد، بشكل أســس لبيئة محفزة، أطلقت العنان لبروز “الإبــداع المغربي” في زمن الجائحة، سواء تعلق الأمر بمنهجية تدبير الحكومة للأزمة أو انخراط بعض المقاولات في إنتاج الكمامات لتلبية حاجيات السوق الوطني، أو بما تم اعتماده من بوابات وتطبيقات إلكترونية للدعم الاجتماعي والاقتصادي وتتبـع المخالطين، أو بما تم إنتاجه وتصنيعه من منتجات وأجهزة طبية من “صنــع مغربي”، أمنت الاحتياجات الوطنية في ظرفية عالمية اشتدت فيها حرارة الإقبال على الكمامات الواقية والأقنعة والسترات الطبية والمطهرات الكحولية وغيرها.

– حرص على دعم قدرات المنظومة الصحية :
برؤية استباقية وتوقعية، وحرصا منه على دعم قــدرات المنظومة الصحية الوطنية وتأهيلها تحسبا لأي ارتفاع محتمل في عدد الإصابات المؤكدة، بادر جلالته، إلى إعطاء تعليماته السامية بصفتـه القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بتكليف الطب العسكري – بشكل مشترك مع نظيـره المدني – بمهام مكافحة جائحة كورونا، كما بادر إلى إعطاء تعليماته السامية لإقامة مستشفيات ميدانيـة في جميـع جهات المملكة تحت إشـراف المؤسسة العسكرية، وهذه “التوليفة” بين الطب المدني والطب العسكري، وحدت الطاقات والكفاءات والقدرات، وأذابت جليد المخاوف حول واقع المنظومة الصحية المدنية ومدى قـدرتها على التصـدي لجائحة عالمية أربكت وأحرجت الكثير من المنظومات الصحية في عدد من الدول المتقدمة، ويضاف إلى ذلك، ما صدر عن جلالته من قرار- بصفته الناظر الأعلى – قضى بإعفاء مكتري المحلات الحبسيـة المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات والسكن – ماعدا الموظفين – من أداء الواجبات الكرائيـة، طيلة مـدة الحجر الصحي، إسهاما منه في تخفيف الضـرر عن هذه الفئات الاجتماعية.

– الصحة أولا ..
المجازفة في تبني خيار الإغلاق الشامل بكل تكلفته الاقتصادية على النسيج الاقتصادي الوطني للتصدي إلى الفيروس التاجي والحد من خطر انتشاره وتفشيه، تحكمت فيه رؤية ملكية رصينة جعلت من صحة المواطنين أولوية الأولويات في ظل جائحة عالمية أربكت اقتصاد العالم بأسره، وهي أولوية حضرت تفاصيلها في عدد من المحطات، منها المباحثات الهاتفية التي سبق أن أجراها الملك مع الرئيس الصيني في إطار علاقات الصداقة القائمة بين البلدين، والتي تطرقت إلى سبل التعاون بين الطرفين بخصوص تلقيح كورونا، مما مكن المملكة من احتلال مرتبة متقدمة في التزود باللقاح ضد كوفيد-19، بفضل المبادرة والانخراط الشخصي لصاحب الجلالة اللذان مكنا من المشاركة الناجحة لبلدنا في هذا الإطار، في التجارب السريرية، دون إغفال الإعلان عن خبر انطلاق حملة وطنية مكثفة للتلقيح ضد فيروس كوفيد – 19 والتي يرتقب أن تنطلق بشكل فعلي في قادم الأيام، وهو تلقيح سيكون في متناول جميع المواطنين بشكل مجاني، بناء على التعليمات الملكية السامية التي أصدرها الملك للحكومة.

وهي التفاتة ملكية كريمة تنبع من “العناية الملكية والرعاية الإنسانية التي ما فتئ جلالته يحيط بها كافة مكونات الشعب المغربي، منذ ظهور الحالات الأولى لهذا الفيروس بالمغرب” كما ورد في بلاغ سابق للديوان الملكي، وهي محطات من ضمن أخرى، كرست مؤسسة ملكية “مواطنة” و”مسؤولة” و”إنسانية” قادرة ليس فقط على حماية الصحة العامة وتحمل مسؤولياتها كاملة في زمن الجوائح والأزمات، بل وقادرة أيضا على حماية الوحدة الترابية وصيانة اللحمة الوطنية وكسب رهانات التنمية الشاملة، في إطار من الوحدة والتلاحم القوي بين العرش والشعب، وبهذه المعادلة تم كسب المعركة ضد الاستعمار وأمكن ربح رهان الاستقلال وبناء أسس الدولة المغربية الحديثة وتحقيق ملحمة المسيرة الخضراء وصيانة الوحدة الترابية، والانخراط في سيرورات البناء والإصلاح والتنمية والنماء والعيش المشترك في إطار من الأمن والاستقرار والطمأنينة …

– حرص مستدام على الإصلاح والتنمية :
لم يتوقف الملك محمد السادس عند حدود التدبير الآني للجائحة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، بل بادر في إطار رؤيـة استباقية متبصرة، إلى تقديم الخطط والبدائل التي من شأنها الإسهام في استرجاع عافية الاقتصاد الوطني ومعالجة ما أبانت عنه الجائحة من اختلالات ومشكلات اجتماعية، وهي رؤية تجسدت بالملموس في خطاب الذكرى 21 لعيد العرش المجيد الذي أتت مضامينه حاملة لهم الإصلاح والتنمية، عبر ما أطلقه الملك من مبادرات رصينة من قبيل “ضخ حوالي 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني” (ما يعادل 11 في المائة من الناتج الداخلي الخام) والإعلان عن “إحداث صندوق للاستثمار الاستراتيجي” لدعم الأنشطة الإنتاجية، ومواكبة وتمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى بين القطاعين العام والخاص في مختلف المجالات، والإعلان عن ” إصلاح عميق للقطاع العام” وعن “إحداث وكالة وطنية مهمتها التدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، ومواكبة أداء المؤسسات العمومية” والدعوة إلى “تعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة خلال الخمس سنوات القادمة”، وإلى “إدماج القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي الوطني”.

وكلها مبادرات تتجاوز البعد التدبيري للجائحة، لترتبط باستراتيجية متعددة الأبعاد، تراهن على إعداد المغرب ليتبوأ ما يستحقه من مكانة واعتبار في مرحلة “مابعد كورونا” على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والاستراتيجية، كما تراهن على تحقيق الإقلاع التنموي الشامل في أفق “النموذج التنموي المرتقب” وفي ظل المكاسب الاقتصادية والتنموية التي يرتقب أن تتحقق على أرض الواقع، عقب الموقف الأمريكي التاريخي بخصوص الاعتراف بمغربية الصحراء والإعلان عن إقامة قنصلية عامة لأمريكا بمدينة الداخلة، وعبر مد جسور التواصل والاتصال مع إسرائيل، وهي استراتيجية واعدة، تقتضي التعبئة الجماعية واستحضار المصالح العليا للوطن أولا وأخيرا، والتحلي بما تتطلبه المرحلة القادمة من مسؤولية ونزاهة واستقامة وتضحية ونكران للذات ومواطنة وحقة.

– مد جسور تضامنية مع إفريقيا في زمن الجائحة :
في الوقت الذي أغلقت فيه الدول حدودها الوطنية، للتصدي للفيروس التاجي، بعيدا عن مفردات التعاون والتعاضد وتبــادل الخبرات والتجارب في مجال تدبير الوباء، وفي الوقت الذي اشتعلت فيه حرب الكمامات والمستلزمات الطبية بين الدول الكبـرى، لم تتخل المملكة عن إفريقيا في زمن الجائحة، ولم يتخل جلالة الملك محمد السادس عن الأفارقة في لحظة خاصة واستثنائيـة، رفعت فيها معظم البلدان شعار “أنا ومن بعـدي الطوفان”، فبادر مبكـرا بتاريخ 13 من شهر أبريل المنصرم، إلى إطــلاق مبادرة لرؤسـاء الدول الإفريقية لإرسـاء إطار عملياتي، بهـدف مواكبة البلدان الإفريقيـة في مختلف مراحل تدبيـر جائحة “كورونا”، وهي مبادرة رائدة عاكسة ليس فقط، لأبعاد تضامنية وإنسانية، بل ولمقاربة توقعية لجائحـة عالمية عابرة لحدود الدول والقارات، محاصرتها وتدبيـر تداعياتها الجانبية، يقتضي رؤيـة تضامنيـة بين البلدان الإفريقية، تتيـح تبادل الخبرات والتجارب ووسائل العمـل، حرصا على الأمن الصحي الإفريقي الذي لا يمكن فصله عن مفهـوم الأمن بأبعاده ومستوياته المختلفة.

وهي مبادرة تم تفعيلها وترجمتها على أرض الواقــع، بإصدار جلالته، تعليمات بإرسال مساعدات طبية إلى مجموعة من الدول الإفريقيـة (15 دولة) لدعم جهودها في الحرب ضد جائحـة “كورونا”، تضمنت شحنات مهمة من المنتجات والمستلزمات الطبية الوقائية والاحترازيـة، عبـارة عن كمامات وأقنعة واقيـة وسترات طبية وأغطية للرأس ومطهرات كحولية وأدويـة مختلفة، وهي منتجات ومستلزمات طبية من “صنع مغربي” خالص، أشرفت عليها مقاولات مغربية، وفق معايير منظمة الصحة العالمية، حاملة رسالة مفتوحة، مفادها أن إفريقيا بإمكانها أن تنهـض وترتقي في سلم التنمية البشريـة، بالاعتماد على طاقاتها وكفاءاتها والاستثمار الأمثل لقدراتها وإمكانياتها الذاتيــة، وبالرهـان على قيم التعاون والتعاضد والتضامن لمواجهة التحديات الآنية والمستقبليـة.

مساعدات مهمة، تتجاوز البعد التضامني الظرفي المرتبط بالجائحـة الكورونية، لا يمكن فهم أبعادها ودلالاتها الإنسانية، إلا في ظل ما يربط المملكة بإفريقيا من علاقات إنسانية وثقافية وروحية وتجارية ضاربة في عمق التاريخ، و من قيم الأخوة والصداقة والتعاون والتشارك والتضامن، ومن التزام ومواقف إنسانيـة ثابتـة حيال إفريقيا، تستنـد إلى استراتيجية يشكل “التضامن” محورها الأســاس، في إطار نموذج للتعــاون المبدع والخلاق (جنوب-جنوب) يضـع التنمية بأبعادها المختلفة في صلب اهتماماتـه، عبـر تسخير الكفاءات والخبرات والتجارب المغربية المتاحة، لفائدة إفريقيـا، في إطار شراكات تضامنية متوازنة مبنية على منطـق “رابح – رابح”.

وهي رؤيـة بالأفعال لا بالأقوال، تنضـاف إلى العشرات من الزيارات الملكية لعدد من البلدان الإفريقية على امتداد العقدين الأخيرين، والتي لم تثمر فقط، اتفاقيات شراكة وتعاون ثنائيـة ومتعددة الأطـراف، بـل وجعلت من المغرب، بلدا محوريا ورائدا وفاعـلا اقتصاديا في إفريقيا، يمشي قدما نحو المستقبل بثقة وثبـات، يتحمـل مسؤوليات الانتماء للحضن الإفريقـي، من أجل الإسهام في بنـاء إفريقيا جديـدة متضامنة ومتعاونة، لما راكمه من تجارب وخبرات اقتصادية وتنمويـة وتدبيريـة، لا يتـردد في تسخيرها من أجل تنميـة إفريقيا ورخـاء شعوبها.

وإذا كان الملك محمد السادس، قد جعل من التضامن محور علاقاته مـع أشقائه وأصدقائه من الزعمـاء الأفارقـة، ومن التنميـة عصب العلاقات المغربية الإفريقيـة، فهي رؤيـة متبصرة، تدرك كل الإدراك، أن التضامن يعد مفتاح التنميـة بإفريقيا، والتنميـة مفتـاح الأمن والاستقـرار، وإذا كان الدستور المغربي قد نص بصريح العبارة على البعد الإفريقي للمغرب، فهـذا الاختيـار ما هو إلا مرآة عاكسة لتاريـخ طويل من العلاقات الإنسانية والوجدانية والثقافية والروحية مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، تجعل “المغرب بدون إفريقيا” كالشجرة بدون جذور، و “من إفريقيا بدون المغرب” كالجذور بدون أغصان وأوراق.

– دبلوماسية متبصرة شكلت الوحدة الترابية للمملكة “خيطها الناظم :
سنة ميزها عن غيرها من السنوات ما حققته الدبلوماسية المغربية من مكاسب ونجاحات تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، في ظل التدخل الرصين والمسؤول للجيش المغربي في منطقة الكركرات، والذي حظي بتأييد إفريقي وعربي ودولي متعدد المستويات، واعتبارا لنجاح “دبلوماسية القنصليات” التي جعلت وتجعل من الصحراء وجهة دبلوماسية على جانب كبير من الجذب والإشعاع، وهو نجاح وصل ذروته بانتزاع ورقة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وبقرار إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على إقامة قنصلية عامة لها بمدينة الداخلة، وبإعادة مد جسور التواصل والاتصال والتعاون بين المغرب وإسرائيل، في قرار تاريخي عاكس لرؤية متبصرة وحكيمة لملك بقدر ما يمشي قدما نحو التنمية والتعاون المشترك، بقدر ما يجنح نحو الأمن والمحبة والسلام والتعايش بين الأديان، بعيدا عن كل ممارسات الكراهية المغذية للصراع والعنف والصدام…

وسواء تعلق الأمر بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء أو باستئناف التواصل والاتصال مع إسرائيل، ظلت قضية الوحدة الترابية والمصلحة العليا للوطن، خيطا رفيعا ناظما للتحركات والخيارات المغربية الخارجية، كرس المغرب قوة إقليمية رائدة باتت معادلة صعبة في قارة إفريقية واعدة تعد مستقبل العالم، الرهان عليها هو رهان لا يمكن تحقيقه إلا بالمغرب ومع المغرب، ولا يمكن إلا أن نتوقع حجم الاستثمارات التي ستتدفق على المغرب وجهات الصحراء عقب الموقف التاريخي الأمريكي، بكل ما سيحمله ذلك من آثار اقتصادية وتنموية، ستقوي من قدرات المغرب في جميع المجالات، بشكل سيحوله إلى وجهة اقتصادية واعدة وجذابة في بعده العربي وعمقه الإفريقي، دون إغفال أن النهج الرصين للدبلوماسية المغربية، ستكون له مكاسب أخرى ذات طبيعة أمنية واستراتيجية لا يمكن أن يجهلها إلا جاهل، وهي مكاسب ونجاحات، أفشلت كل مخططات ودسائس أعداء الوطن من صناع الحقد ودعاة التشرذم والتفرقة والشتات، الذين دخلوا في حالة من اليأس والشك والإحباط والجنون، ولم يعد أمامهم من خيارات ســوى اللجوء إلى أساليب قذرة لمواجهة المغرب من وراء حجاب، عبر الرهان على إعلام البؤس الذي لا يجد حرجا أو حياء في فبركة الأحداث وتزييف الوقائع، لإخراج مشاهد “كرتونية” لا توجد إلا في مخيلة من صنعها وأخرجها وأبدعها.

– مواقف ثابتة حيال القضية الفلسطينية :
الإعلان عن استئناف العلاقات مع إسرائيل بالتزامن مع الإعلان عن الموقف التاريخي الأمريكي بخصوص مغربية الصحراء، أثار مشاعر الرفض والغضب لدى البعض تارة باسم الدين وأخرى باسم العروبة وثالثة باسم القومية والالتزام والثبات على المواقف حيال القضية الفلسطينية، وهي مشاعر بقدر ما يمكن تفهما من حيث الشكل، بقدر ما نرى أنها تفتقد للواقعية وتغيب عنها المصالح العليا للوطن في أبعادها الاقتصادية والترابية والتنموية والأمنية والاستراتيجية، وهي أبعاد أبقت على المواقف المغربية التاريخية قائمة بخصوص قضية فلسطين والقدس الشريف، والتي تتأسس في شموليتها على حل الدولتين وعلى المحافظة على الطابع الخاص لمدينة القدس لما لها من خصوصيات دينية وروحية، وهو ما عبر عنه الملك محمد السادس في اتصالاته الهاتفية مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ”محمود عباس أبو مازن” الذي أبلغ من قبل جلالة الملك بخبر الاجتماع القريب للجنة القدس في دورتها الواحدة والعشرين بالمملكة المغربية، وهي رسالة معبرة مفادها، أن المواقف المغربية ظلت وستبقى ثابتة وواضحة بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ونــرى أن التقارب المغربي الإسرائيلي، يمكن أن يكون خادما للقضية الفلسطينية، اعتبارا للعلاقات التاريخية التي تربط المغرب بالمغاربة من أصول يهودية في إسرائيل وخارجها، مما يجعل من المغرب الدولة العربية والإسلامية الوحيدة القادرة دون غيرها، على الدفع بعملية السلام بين فلسطين وإسرائيل في اتجاه حل الدولتين، بشكل يضمن سلاما شاملا ودائما بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

– جنوح نحو السلام والتعايش:
كما تفاعلنا إيجابا مع اللقاء التاريخي الذي جمع بين جلالة الملك محمد السادس وقداسة بابا الفاتيكان خلال السنة الماضية (مارس 2019) على أرض المملكة المغربية، والذي توج بإصدار وثيقة تاريخية بشأن مدينة القدس الشريف، أطلق عليها اسم “نداء القدس” وقعت من قبل جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين ورئيــــس لجنة القدس، وقداسة بابا الفاتيكان “فرنسيس”.. تضمن (النداء) دعوات متعددة المستويات، تقاطعت مضامينها حول المحافظة على مدينة القدس الشريف، باعتبارها مدينة للسلام وتراثا إنسانيا مشتركا وأرضا للقاء ورمزا للتعايش والتساكن بين أتباع الديانات التوحيدية الثلاث.

نتفاعل اليوم بنفس درجة الحماسة والترحيب بالتقارب المغربي الإسرائيلي لاعتبارات ثلاثة، أولها: لأنه خطوة نحو السلام والأمن والاستقرار والتسامح والعيش المشترك، وثانيهما: لأنه مبادرة “مواطنة” و”إنسانية” تصب في مصلحة شرائح واسعة من المغاربة من أصول يهودية الذين يشكلون جزءا لا يتجزأ من التاريخ المغربي والذاكرة الجماعية والهوية المغربية المشتركة، والتي كرسها الدستور الجديد، وثالثها: لكونه ساعد على مد جسور التعاون المشترك مع دولة باتت معادلة صعبة في الشرق الأوسط، لم يعد ممكنا التعامل معها بمنطق العداء والكراهية والتجاوز والإقصاء والوعد والوعيد، مما يجعل من “السلام” المدخل الوحيد والأوحد الذي من شأنه رسم علاقات جديدة بين العرب وإسرائيل، مبنية على قواعد المصلحة والتوازن والتعاون والعيش المشترك، وهو مدخل لن يكون إلا خادما للمصلحة الفلسطينية ودافعا نحو المفاوضات في اتجاه تبني حل الدولتين، أما العواطف المزيفة والشعارات الغارقة في الحماسة، فلم يعد لها مكان في عالم متغير باستمرار باتت تحكمه لعبة التوازنات ومعادلة المصالح المشتركة.

وفي جميع الحالات، فالتقارب المغربي الإسرائيلي هو قرار “سيادي” عاكس لرؤية ملكية متبصرة مفعمة بقيم السلام والتعايش والتساكن والتعاون المشترك، وهي قيم دينية وإنسانية مترسخة في هذا البلد الأمين الذي ظل عبر تاريخه القديم والحديث، أرضا للقاء والتلاقي والتعارف والتعايش والتساكن بين جميع الأديان والثقافات والأجناس، وفي تلك القيم الإنسانية تحضر روح الإسلام وتتجسد قيم وأخلاقيات وشمائل خاتم الأنبياء والمرسلين في تعامله مع اليهود والنصارى.

– خلاصة:
هي إذن مبادرات وقرارات ملكية رائدة حضرت بقوة في جائحة عالمية غير مسبوقة بالنسبة للمغرب وللعالم المعاصر، أبانت بما لايدع مجالا للشك، في أن قوة المغرب في الملكية وقوة الملكية في الشعب، وقوة الوطن تتجسد في تلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها بين العرش والشعب، وهي علاقة متفردة تتحقق معها غايات الأمن والاستقرار ومقاصد صون اللحمة الوطنية، في محيط إقليمي ودولي، يقتضي الحرص على المزيد من التعبئة الجماعية والتحلي بما يلزم من الحكمة والمسؤولية، حفاظا على الوحدة الترابية للمملكة في ظل إصرار أعداء الوطن على تبني عقيدة الدسائس والحقد والكراهية والعداء، وفي هذا الصدد، فما حققته الدبلوماسية المغربية في الآونة الأخيرة من نجاحات ومكاسب متعددة الزوايا، لايمكن أن ينظر إليه إلا بعين القبول والرضى والتثمين والتأييد، استحضارا لأبعاده الترابية والاقتصادية والتنموية والأمنية والاستراتيجية، وهي أبعاد ستدعم الوحدة الترابية للمملكة وسترفع من قيمة ومكانة المغرب كقوة إقليمية إفريقية رائدة، باتت وجهة اقتصادية وتنموية جذابة، لها من الإمكانيات والقدرات، ما يجعلها بوابة لا محيد عنها نحو قارة إفريقية واعدة تعد مستقبل العالم، ومن باب التوقع، نترقب أن تتحول الصحراء المغربية في قادم الأسابيع، إلى وجهة دبلوماسية مغرية في إطار “جاذبية دبلوماسية القنصليات” وذلك عقب الموقف التاريخي الأمريكي، وإلى واجهة اقتصادية متفتحة على العالم وعلى إفريقيا.

هي إذن تجليات “حكمة الدبلوماسية المغربية” التي يقودها الملك محمد السادس بنجاعة وتبصر، والتي تجمع بين ثالوث “السلام” و”التعاون” و”التنمية”، وهذا الثالوث هو مرآة عاكسة للتميز المغربي الذي يجعلنا نتطلع إلى المستقبل بعيون مفعمة بالمحبة والثقة والأمل والازدهـار، ولا يمكن أن نترك الفرصة تمر، دون تهنئة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله بالعام الجديد، سائلين الله عز وجل أن يمتعه بموفور الصحة والعافية لما فيه خير لهذا الوطن السعيد، وتهنئـة المغاربة قاطبة في الداخل والخارج، وتهنئة شعوب العالم بكل انتماءاتهم واختلافاتهم، على أمل أن تكون السنة القادمة، سنـة أمن وتسامح وسلام وبشرى وأمل وخلاص من هذا الوبـاء الفتاك، ودون التضرع إلى الله عز وجل في أن يرفع عنا هذا الوباء المزعج ونعود في أقرب الآجال الممكنة إلى حياتنا الطبيعية، والترحم على كل من انطفأت شمعة حياته إلى الأبـد بسبب الفيروس المرعب، متمنيين أن يظل هذا الوطن السعيد واحة أمن وطمأنينة واستقرار وتعايش وتسامح وسلام … وأن يجنبه الله عز وجل شر الحاقدين والكارهين والطامعين والعابثين…

ونختم بتحية “جنود كورونا” الذين فرضت عليهم وظائفهم ومهنهم التموقع في الصفوف الأمامية في الحرب الشرسة ضد “كوفيد-19″، من أطباء وممرضين مدنيين وعسكريين ومسعفين ورجال أمن ودرك ملكي وسلطات ترابية ووقاية مدنية وصحافيين مهنييـن، وتحية لا تقل أهمية، لكل الذين حاربوا في الصفوف الخلفية بحــس وطني وتضحية ومسؤولية ونكران للذات، إسهاما منهم في حرب شرسة ليست كمثيلاتهـا … وكلهم “جنود كورونا” .. كلهم “جنود الوطن” …

Laaouissiaziz1@gmail.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.