Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / ثقافة وفنون / الذاكرة النسوية في المغرب : “خربوشة رمز النضال النسائي عبر فن العيطة”..

الذاكرة النسوية في المغرب : “خربوشة رمز النضال النسائي عبر فن العيطة”..

WW

أصداء مزكان : خالد الخضري
 
(الجزء 1)

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نظم ‘المركز المستقل للأبحات والمبادرات من أجل الحوار، فرع شمال إفريقيا والشرق الأوسط” يوما دراسيا تحت عنوان:
“الذاكرة النسوية في المغرب، شجرة الحضور وفروع المقاومة” بمسرح للّا عائشة في المضيق /الفنيدق.. وذلك يوم الجمعة 8 مارس 2019. شاركت فيه باقة من الباحثات والباحثين ن داخل وخارج المغرب، من خلال إلقاء محاضرات تهم نساء يعتبرن من رموز النضال النسائي المغربيات في مجالات مختلفة، ساهمتُ فيه بورقة تحت عنوان: “خربوشة رمز النضال النسائي عبر فن العيطة”.
بالمناسبة ألقى السيد ياسر صلاح مدير هذا المركز كلمة ترحيبية بالحضور، كما ألقى منسق هذا النشاط ومستشار نفس المؤسسة السيد عبد الإله بوعسرية كلمة مستفيضة لخص فيها مداخلات سائر المتدخلين. ساهم أيضا في تنشيط هذا اللقاء جوق الحمامة البيضاء برئاسة الفنانة إحسان من تطوان والذي كان لي شرف العزف على آلة عود الفنانة لطيفة في حضرته، حيث قدمت نموذجا من نماذج العيطة الحصباوية والنضالية التي وردت بفيلم (خربوشة) المشار إليه. فيما يلي أهم ما ورد في مداخلتي المذكورة.
المرأة التي هزمت السلطة بلسانها 
1 – التسمية الأصل والمصدر:
هي”حادّة الزَّيْدية” المنتمية إلى قبيلة اولاد زَيْد بإقليم عبدة شمال مدينة آسفي في اتجاه منتجع الوليدية.. وتحمل عدة ألقاب هي: “الكرْيدة” لأن شعرها كان أشعث.. ثم “الحمرا” سمراء اللون.. ثم “زروالة” عيناها زرقاوتان.. ف”خربوشة” لوجود عدد من النقط السوداء بوجهها أو ما يسمى ب”النمش”.. فلم تكن تبعا لهذه الأوصاف جميلة بقدر ما كانت ذات جمال غجري.. إنما أجمل ما كان فيها صوتها الصداح وجرأتها في الجهر بآرائها المنددة بالظلم والاستبداد، في وجه أكبر طاغية عرفه تاريخ المغرب في مرحلة ما كان يسمى ب”السيبة” في أواخر القرن التاسع عشر، عيسى بن عمر الثمري المنتمي إلى قبيلة الثمرة بنفس المنطقة.. حيث كان سلاح هذه المرأة الوحيد في مواجهة بطشه هو الكلمة والغناء عبر فن “العيطة” وتحديدا العيطة “الحصباوية” المنتمية إلى منطقة الحصبة.. وهي أرض فلاحية وفيرة الإنتاج.. والكلمة في حد ذاتها تحريف لمصطلح “الخصبة”.. وهناك عيطة من مجمل هذه اغلعيوط تحمل اسم (الحصبة) يقول مطلعها: 
“الحصبة ولّافة…. وسروتها عطّابة”. 
فهذه المرأة الشاعرة والمطربة الشعبية، “الشيخة” بالمفهوم والمصطلح الشائعين، عاشت وماتت – أو بالأحرى أعدمت دفنا حية بحائط – بأمر من القائد عيسى بنعمر في أواخر القرن 19. بينما هو سيموت “موتة كلاب” كما يقال، بداء الجذري فوق حصير أمرد بسلا سنة 1924. لا نتوفر على تاريخ محدد لوفاتها ولكن أحداث الصراع الشرس الذي كان بين قبيلتها أولاد زيد والقايد عيسى بنعمر، تحيل على قضاء هذا الأخير على ثورة وتمرد قبيلة خربوشة سنة 1895 في واقعة شهيرة تسمى ب”الرفسة” حيث محقهم عن آخرهم. 
وطيلة سنوات ذلك الصراع لم تتوان خربوشة في هجو القائد الطاغية ووصفة بأبشع الأوصاف:
((سيراعيسى بن عمر .. أوكّال الجيفة.. أقتال اخوتو.. يا محلل الحرام.. سير عمر الظالم ما يروح سالم.. وعمر العلفة ما تزيد بلا علام.. ورا حلفت الجمعة مع الثلاث.. يا عويسة فيك لا بقات…)) 
كتب الأستاذ سالم كويندي مقدما الكتاب الذي أصدرت تحت عنوان: “المرأة / العيطة” بعد إنجاز فيلم خربوشة من إخراج حميد الزوغي كتقديم له: 
(( كانت العيطة في ذلك الوقت هي الصحيفة التي تحمل الأحداث اليومية للقبيلة وتجعلها شائعة بين الناس في منطقة جغرافية محددة هي “الحصبة” التي تمثل مركز نفوذ القائد عيسى بن عمر…. ولم لا نقول إنها نموذج من نماذج الشعر الملحمي الشعبي الذي يخلد ذكرى الشاعرة ويجعلها إيحاء لخلفية الصراع الأبدي بين قوى الشر والخير.. ورمزا للاستشهاد من أجل الحرية والمقاومة.. وسجلا تاريخيا مفتوحا لتدوين هذا النوع من البطولات النسائية اللائي لم يجدن غير القول الشفاهي لإثبات نموذج من التدوين التاريخي الشعبي لمنح أمل من أجل حياة أفضل)).
2 – المرأة / العيطة:
أما الزميل والصديق الصحفي الزميل لحسن لعسيبي، فقد صاغ في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” بتاريخ:10 أبريل 2008 كلمة في نفس الموضوع وردت بدورها في ذات الكتاب: 
((هي واحدة من كبريات القَصص الشعبي بالمغرب.. لكن لها خصوصية مميزة..، هي أنها ليست متخيلة، بل إن صاحبتها كانت امرأة من لحم ودم. امرأة عنوانا للتحدي.. تحدي الظلم وتحدي السلطة.. ثم تحدي لمنطق الذكورة الذي كان يسعى إلى تمريغ كبريائها. لكنها قصة انسلت إليها الأأسطورة، لأن صاحبتها بمواقفها في زمنها ذاك البعيد، كانت في حد ذاتها أسطورة. ذلك الزمن الذي كانت فيه للقياد سلطة الحل والعقد.. سلطة حجب الشمس وإسكان الأنفس في ظلمات العذاب بالأقبية. تلكم هي خربوشة التي قالت: “لا” في زمن لم يكن يَسمح للمرأة حتى أن تقول: “نعم” فكيف بالرفض؟)).
إذن هي امرأة ذات أربعة ألقاب أو أسماء كما مر معنا: 
“خربوشة .. لكريدة .. وزروالة… حمرة الأقدام .. وتاك الله بالاوشام… والفيم احمر على الدوام
حادة الزيدية…. أيتها المرأة الكاسحة الغضب…. الساحرة النظم والإنشاد…. يا ذات اللسان الملغوم……والهجو المنظوم..”
كل الشيخات اللواتي سمعت لهن أو سمعت عنهن، حملن في حناجرهن ألسنة، أما أنت فكنت تغمدين أسنة مذببة تقدح شعرا وتصيب العدو في مقتل..
لذا استمررت أنت.. امحى هو وكاد النسيان يطاله.. بل لولاك لما شاع له ذكر أو جرى به اسم بما هو عليه الآن.
“خربوشة.. ولكريدة وزروالة….. زينة الشيخات وشهيدة عبدة ودكالة…. ماتوا اللي قتلوها وبقات هي حية….في عيوطها تتوالى”
حادة الزيدية الملقبة بخربوشة والكريدة وزروالة..
تصدت للقايد عيسى بن عمرلكثرة ما سفك من دماء وأزهق من أرواح، فهجته أشد الهجو بواسطة عيوطها التي انتشرت انتشار النار في الهشيم.. فرددها المطربون والعامة معها ومن بعدها رغم إعدامها من طرف هذا القائد الطاغية بدفنها حية في حائط، فكانت تسبه بأبشع السباب وتؤلب عليه قبيلتها.
خربوشة.. أيتها المرأة / العيطة التي سكنني عشقها قبل أن أولد..
منذ نعومة أفكاري كنت أسمع قريضك فلا آبه إلا بلحنه وموسيقاه.. فكنت أتذوق وأتمتع.
كنت في موقع المنبهر بالنغم ليس إلا.. أي كانت “الجرة” وحدها تجرني، أما حين شرعت براعم الوعي تونع في وجداني، وبدأت أناملي الرخوة تداعب أوتار “الگنبري” شرعت لحظتئذ أبياتك تتحرش بسيولة اللحن وتخدش ليونة النظم..
وفي حينه تحولت “الجرة” إلى “دفعة” فنبتت الأسئلة طافحة كما بتربة “الحصبة”
– من دار العار يكد به.. موتة وحدة تلزم
– دار السي عيسى خلات مقابلة المعاشات
الليلة ليلة العذاب أبابا ونقاسـي
والدنيا تفــوت وآخرها الموت
وتفتخر بقبيلتها وهي تجر إلى حائط الإعدام؟
واخ قتلوني واخا حياوني ما ندوز بلادي راني زيدية
السي عيسى كال شي كلام العسكر عاطي السلام
فـراج شـاد اللـجـــام لعنيبرهازة العـلام 
كان مت ولا حييت أبا علال سجني
لماذا؟ لماذا وهي المرأة القوية.. الصبورة.. المتحدية.. تتمسح بأعتاب الأضرحة ليشملها عفو الحاكم؟؟
فكل هذه الأسماء / الشخصيات.. الأماكن / الديكورات.. المواد / الإكسسوارات والحوارات والأحداث مستمدة من العيوط الحصباوية التي نظمتها حادة الزيدية لاسيما: (خربوشة) (الحصبة) (حاجتي في گريني) 
فلماذا وأدها عيسى بن عمر حية؟ 
ولسبب واضح هو أنها فضحت ظلمه واستبداده في مرحلة السيبة في نهاية القرن 19 غداة وفاة السلطان المولى الحسن الأول سنة 1894 وتولي العرش بعده ابنه المولى عبد العزيز ولما يتجاوز عمره إحدى عشرة سنة!! تحت وصاية الصدر الأعظم الوزير ابّا احماد، الذي اغتنم هو الآخر هذا الوضع وعاث فسادا وطغيانا، مما أثار غضب المغاربة جميعا فأعلن كثير من القبائل تمردهم، وعصيانهم وقاموا بعده ثورات وانتفاضات ضد هؤلاء القواد الفاسدين ولكي “تكشف عن مشاعر كراهيتها وحقدها تجاههم بعد أن لم تبق هناك هيبة سلطانية حقيقية تظللهم. واشتهرت في هذا الإطار انتفاضة الرحامنة ضد “السلطان الشاب” واستبدادية صدره الأعظم ابّا احماد، كما اشتهرت انتفاضة اولاد زيد” “وهي الانتفاضة التي عايشتها وتفاعلت معها الشيخة حويدة لمدة تزيد عن نصف سنة كانت كلها صراعا عنيفا”. 
هذا ورغم أن الزميل حسن نجمي يعتقد في الجزء الثاني من كتابه المشار إليه في المرجع أدناه، على أن الرواية الشفوية أضفت على الشيخة حادة بعدا “أسطوريا” وبطوليا لم يكن بمقدور امرأة قروية بسيطة أن تنهض به، إلا أنه أقر بأن: “الشيخة حادة الزيدية الغياثية –في مواجهة عيسى بن عمر- كانت إحدى أبرز الأمثلة على الحالة القصوى التي يصبح فيها للكلام ثمن مدمى وتعطي المغنية حياتها لأنها حررت لسانها قليلا ولنقل إنها استشهدت لتتيح للقبيلة إمكانية امتلاك أو إعادة امتلاك لسانها”. 
ففي مرحلة السيبة هاته كان القائد هو الحاكم المطلق في المنطقة بل وكان يتشبه بالملك ويقلده في كثير من مرافق وسبل العيش والحكم الاجتماعية، السياسية والاقتصادية من امتلاكه للعديد من القصبات والحريم والخيول وكلاب الصيد وعادات وطقوس الأكل إلخ… وكان من بين أشهر قواد تلك المرحلة وأشدهم فتكا القائد عيسى بن عمر الثمري (1841 / 1924) في منطقة عبدة.
هذا القائد الذي حقق له اجتهاده في قمع الثورات القبلية وإخلاصه وخدمته للعرش ارتقاء سريعا في سلم التراتيبية المخزنية إلى أن عينه المولى عبد الحفيظ وزيرا للبحر (وزير الخارجية) سنة 1910 “كما تولى السلطة أيضا خلال نفس الفترة ولداه أحمد عاملا على ميدنة آسفي، وإدريس قائدا على قبائل عبدة” الشي الذي وسع من دائرة نفوذه وزاده سلطة وجبروتا فغدا يضرب به المثل في القمع والاستبداد إلى درجة أن المؤرخ السلاوي أحمد بن محمد الصبيحي أفرد له كتابا خصصه فقط لجبروته وطغيانه تحت عنوان “عيسى بن عمر وفظائعه”!! معتبرا إياه الحجاج بن يوسف الثقافي الثاني لشدة ما سفك من دماء وأزهق من أرواح ذاكرا:
“وقد تمكن القائد عيسى بن عمر من فرض سيطرته على منطقته بوسائل قمعية أسالت الكثير من الدماء، وقد كان عنصرا غير مرغوب فيه بسبب حيازته صفات ترتعد منها الفرائص وأنه اتسم بخبث الطوية والإغراق في الهمجية والوحشية”… 
(يتبع)

SS

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى