أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / أقلام حرة / عودة موحى للجبل ” قصة قصيرة ” لعبد الرحيم هريوى

عودة موحى للجبل ” قصة قصيرة ” لعبد الرحيم هريوى

20190101_124904

عودة موحى للجبل
قصة قصيرة

عبد الرحيم هريوى

لانشك قيد أنملة بأن الطبع دائما يغلب التطبع..!!؟؟ ففي منطقة ما بامنتانوت هناك بنواحي مراكش حيث يساعد المحيط الجغرافي على شتى أنواع مختلفة من الأنشطة الفلاحية من زراعة الحبوب والخضروات والأشجار المثمرة…كما أن المناطق الجبلية في هذه الناحية من وطننا تساعد على تربية المواشي وخاصة الماعز منها .. وسط هذه البيئة الفلاحية بامتياز ازداد ونشأ المسمى موحى، حيث عاش طفولته وتلقى تكوينه الأولي وهو طفل صغير، من والده مسعود في المجال الفلاحي و خاصة في رعي الماعز…وكان ذلك في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. فالمغرب ما زال في هذه الحقبة من الزمن في بداية الطريق بعد الاستقلال وهو يبحث له عن سبيل ما في مجال التنمية وعصرنة الحياة الاجتماعية للشعب التقليدي الجد محافظ بحيث كانت نسبة التمدرس عبر ربوع البلد جد ضعيفة إن لم نقل أكثر…و صاحبنا موحى لم يعرف طريقه في يوم من الأيام إلى المدرسة، ولم يتعلم قراءة ولا كتابة ولا حسابا، ولربما قد ينفعه تعليمه في المحطات الكثيرة في حياته القادمة، و تسهل عليه الاندماج الإيجابي فيما بعد، في الحياة العصرية للمجتمع!!!..

موحى تلك الشخصية البدوية القحة بجسم قوي وعضلات مفتولة وبارزة. ولقد اكتسب قوته من الأشغال الفلاحية اليومية والشاقة التي يزاولها طيلة السنة وحتى راحتي يديه أمست خشنة وصلبة… وهذا كله سيؤهله ليتم اختياره ضمن لائحة من أسماء للمغاربة الذين كانت فرنسا في أمس الحاجة إليهم خلال هذه الفترة من التاريخ لبناء قطاعها الفلاحي في غياب اليد العاملة التي يمكن الاعتماد عليها وبنسبة كبيرة جدا …

لقد تم تسجيل موحى من طرف شيخ القبيلة ضمن اللائحة التي تم اختيارها في هذه البعثة للديار الفرنسية للعمل في القطاع الفلاحي بحيث سيحصل على عقدة un contrat ويحصل من خلالها على جواز سفر..وموحى من عادته و معروف عليه أنه لا يغادر البلدة إلا للضرورة القصوى صحبة والده إلى مدينة مراكش لأمر هام…كما أن ثقافة البادية تختلف كليا عن ثقافة الحاضرة في ذلك الزمان ..حصل موحى على جواز سفره هو وبعض رجالات النواحي المجاورة لتيمينتانوت وأوريكا مهاجرا إلى فرنسا حيث سيمكت هناك لسنين عدة وطويلة سيجمع فيها(الحبة) وسيتعلم أشياء كثيرة تدخل في مجال خبرة وتقنية الميدان الفلاحي، مما سيسهل عليه نقل تجربته إلى بلده الأصلي حينما سيحصل على تقاعد مريح و سيصبح من كبار الفلاحين بالمنطقة.. ويملك ضيعات كبيرة وتعاونيات فلاحية مشهورة بالمنطقة وأمسى له أحفاد وكل أفراد أسرته وفر لهم أشغالا و أنشطة مدرة للدخل ، وأمسى من أغنياء البلد.. موحى الرجل البسيط.. موحى راعي الماعز في منعرجات الأطلس..موحى الذي لا يتقن إلا الرعي واللغة الأمازيغية لأجداده…سيتعلم لغة موليير..سيستفيد من ما جد في عالم الفلاحة العصرية في وقت نحن ها هنا ما زلنا نعيش بعيدين كل البعد عن عصرنة القطاع..الفلاح المغربي ما زال يعتمد على المحراث والدواب في الحرث والدرس والنقل وغيره من الأنشطة…ما زالت فلاحتنا بورية مائة في المائة…!!

وصل موحى للقمة في المجال الذي أحبه وعاش فيه أحلى لحظات عمره…لكن المفاجأة الغير منتظرة التي سيقدم عليها السيد موحى هو تركه للجمل بما حمل من ضيعات وتعاونيات وترف في بلدته وسيلجأ لأحد الدواوير المجاورة وسط جبال الأطلس ويبني له بيتا جديدا هو وزوجته ويشتري له قطيعا من الماعز ويعيش ماتبقى من عمره في عزلته ووحدته ويعود لحياته الأولى التى بدأها وأحبها، وهو يجوب منعرجات الجبال طيلة النهار يرعى قطيع الماعز ولا يعود للبيت إلا والغروب بدأ يسدل ستاره واحمراره معلنا نهاية يوم مضى ليبدأ في يوم جديد..!!

وظل كما كان يعيش منذ زمان، ها هو قد اشترى له راديو صغير transistor- radioيضعه على أذنه كما كان يفعل وهو طفل صغير يرعى الماعز ، وبعدها شاب ترعرع على رعاية قطيعه والاهتمام بمتطلباته…وبذلك غلب الطبع التطبع عند موحى واستراح في ما تبقى من عمره..وهنا يمكن اسقاط حالة صاحبنا موحى المتقاعد على حياة أمثالهم في هذا البلد..المتقاعد في البلاد المتحضرة يتركون له معاشا ليعيش عيشة أفضل له وهو يتعب ويشقى من أجل نمو وتقدم بلاده طيلة ستة عقود كاملة..ونحن عندما تغادر وبمعاش متضعضع لا يكفي حتى لمصاريف الدواء للأمراض التي أمسى يعاني منها المتقاعد…وقلة ذات اليد يساعد زوجته في المطبخ…يخرج ليفرغ سطل القمامة المنزلي في (البركاسة).. يركب دراجته ويحمل خلفه وصلة الخبز ثم ينتظره حتى يطهى ليعود به إلى البيت وذاك هو نفس العمل الذي كان يقوم به وهو يعيش وسط أسرته طفلا وشابا… فقد كانت أمه عادة ما تأمره بإيصال الوصلة إلى الفران…وبعدها تنادي عليه بالذهاب لإحضار الخبز لأنه قد حان وقت وجبة الغذاء…!!

فموحى هذا الرجل البدوي الأصيل عاد من حيث بدأ..وكذلك كان شأن متقاعدنا وهو يعود لحمل الوصلة في آخر عمره كما بدأ…فالطبع يغلب التطبع …ويروى أن عجوزا في الزمن الغابر، قامت بتربية ذئب وعاش رفقة شويهاتها…ومرت الأيام وكبر الذئب وصار ينوب عن العجوز في رعي شويهاتها..فاطمأنت له…وفي يوم من الأيام عاد لوحده دون شويهاتها وفمه ملطخ بالدم فقالت في حقه شعرا
أكلت شويهاتي ووجعت قلبي //من قال لك أن أباك ذيب

 

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى