أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / أقلام حرة / قراءة في مجموعة “جناح حالي” الزجلية: لمحمد لمسيح أبو سارة

قراءة في مجموعة “جناح حالي” الزجلية: لمحمد لمسيح أبو سارة

قراءة في مجموعة “جناح حالي” الزجلية

لمحمد لمسيح أبو سارة

يقدم لنا الزجال محمد لمسيح وجبة طازجة وماتعة من النصوص التي جمعها بين ضفتي كتابه “جناح حالي”
هذه الإضمامة التي تشتمل على ستة نصوص، جاءت جميعها على شكل أسطر متنوعة الطول، وكأنها في صراع حقيقي مع لون الصفحة؛ بمعنى أنها تقاوم من أجل تثبيت حضورها وإسماع صوتها. محققة بذلك جدلية الصمت والكلام.
فهذه المجموعة هي بمثابة رحيق الزهور الذي يختلف من زهرة إلى أخرى فنجد فيها: البؤس، الحزن، اللوم، البكاء، الأمل، الغناء.
لكن الكلمات في الزجل تبقى حبيسة نفسها في غياب الإلقاء، فهذا الأخير يأخذ حيزا مهما من إيصال المعنى إلى ذهن المتلقي، فالقصائد الزجلية تفقد جماليتها حينما تصبح حرفا جافا على ورقة بيضاء ، وبهذا تكون ركيزة الزجل هي الإلقاء ، إنه ينتقل بسرعة الضوء إلى ذهن المستمع و يحدث أثرا قويا في نفسيته فيجعله ينغمس في القصيدة بجميع جوارحه . فالزجال يعتمد في إلقائه على الصوت، و حركة اليدين ثم الحروف… لبلوغ الهدف المنشود؛ وهو إشراك السامع في نصه، فالنص هو قطعة جامدة تحتاج إلى محرك من أجل أن يحقق مبتغاه، وبما أن المحرك الأصلي يبقى هو الأنسب للقيام بهذه العملية، فإن كاتب النص يبقى هو نفسه من يجيد تحريكه قبل أي أحد آخر لأن الزجل في مجمله احساس نابع من قريحة صاحبه.
والزجل في معضمه قابل للغناء، فهو يجعل الجسد والنفس يعيشان حالة من التصوف والزهد. و جمليات الزجال ابو سارة نستشعرها حينما نحاول إنشادها.

العنوان نجده يتشكل من كلمتين هما جناح حالي، وبما أن جرار جينيت يركز على العتبات ويعتبرها مدخلا أساس إلى عالم النص، لهذا وجب على المتلقي اتباعها للقبض على المعاني المبثوثة في النصوص؛ فالعنوان عند ابو سارة. “جناح حالي” يجرنا إلى تعريف كلمة جناح التي تعتبر في اللسان العربي ذلك الشيء هو الشيء. الذي يطير به الطائر ونحوه و كلمة “حالي” تحيل في مجال علم النفس على النفسية أول حدوثها قبل أن ترسخ. و جاء الحال مقرونا بحرف ياء المتكلم.
ونحن نتجاوز العنوان رويدا رويدا وصولا إلى الصفحة(5).
نصطدم بنفسية ممزقة تتجرع مرارة الحياة البئيسة مبرزة سخطها من الواقع المعيش، فنجد الشاعر دون سابق إنذار يقول:
طز عليك يا الوقت
نهار طلعت من تقبة جوايا
تصرفقت
هذا سري
لما بغيت نبوح ب سري
ومشيت ل رحبة والو نجري
عاد فقت
ومن خلال هذه الأسطر يتضح لنا جليا أن المسيح ينذب حضه التعيس منذ اليوم الذي ولد فيه، فكلمة تسرفقت تحمل في طياتها عدة معاني، لكن المعنى الأكثر وضوحا هو الصفعة غير المترقبة.
فالزجال لم يعد قادرا على الصمت مما دفعه إلى البوح بآلامه التي تقف وراء انكساراته.
وسترسل الشاعر في كلامه من ص5 إلى ص 28 وهذا دليل على الكية التي يعيشها محمد لمسيح، فهي ربما لا تختلف عن كية هشام ناجح في روايته” دوار الكية”.
و أنهى الشاعر قصيدته باعتراف مفاده.

حرفي سكراااان معاني
والقصيدة هي مولاة الصواب. ص28

فالزجال يصرح بصارح العبارة على أن لا أحد يسعفه في هذا سوى قلمه الذي يخط به كل مايروج في مفكرته.
ونراه في نص “الوجود كذبة” ص30 يؤكد غموض الواقع ومرارته يقول:

اللي كاين…
حلم مرشوم
على باب مردود
واللي جاي…
ماهو مفهوم
ك الكتاب المسدود ص31.
..
ومن هذا المنطلق يبدو أن محمد لمسيح استسلم لرغبة الواقع في الكشف عن القادم. وشبه القادم بالكتاب المغلق، ومن هنا نستشف أن أبو سارة لم يحاول التكهن بالمستقبل، بل تركه بين يدي القضاء و القدر.
ونحن نسير بين أسطر محمد لمسيح نشم رائحة اللوم و العتاب، لكن هذا اللوم هو موجه لذات الشاعر، مثال:

مال كلبي ملحف ب احزانو
مال سنتيري تلف اوزانو
ياكما لفجر اللي تسنيت
ربطو الظلام ب لسانو
ياك ما الفرحة اللي حزيت
سرقوها… غبرو… ما بانو. ص37.

يقوم الزجال بإلقاء اللوم على نفسه جراء الأحزان التي تأبى أن تفارقه ، فحتى بصيص الفرح الذي كان ينتظره في أخر لحظة يخذله مما جعله يصرخ بأعلى صوت قائلا:

سرقوها…

والملاحظ أن بعض النصوص جاءت بنفس واحد محققة بذلك الدفقة الشعورية المنسجمة مع لحظتها المتفردة، وأخرى جاءت على شكل مقاطع تحاول أن تريح نفس القارئ وتسمح له بمتابعة القراءة بعد استراحة قصيرة. وهذه المقاطع حددتها نقاط فاصلة، كما في نص ص41_45_53 وغيرها من الصفحات الأخرى.
كما اعتمد الزجال على التكرار لتحقيق التنغيم المطلوب، والتلوين القادر على التأثير في القارئ، السامع، سواء كان تكرار مقطع أو كلمة أو حرف، كما نجد ذلك مجتمعا في نص “فرط الشبعة” ص58، فنجد اللازمة: معاه معاه. ونجد الكلمة المكررة في الأسطر التالية:

وسيري معاه
سيري معاه
شعا زيري.. عماه

والتكرار كقيمة فنية يوظف لتأدية غايات تركيبية و أسلوبية ذات بعدين؛ جمالي وإيقاعي. كما يمكن من النفاذ إلى وجدان القارئ وتحريك مشاعره ومداعبة أحاسيسه .
وتجدر الإشارة إلى أن الزجال محمد لمسيح أبو سارة يحاول إعادة ترتيب الماضي عن طريق الكتابة، وهذا رهين بحبه للوطن الذي ترعرع فيه، فإن هم الوطن هو شغل شاغل في نفسيته ولعل ما لا يجعل كلامي ملقى على الطريق. هو نص” هاذ الريشة مني ” ص66، فلا ريب أن تكون هذه الريشة هي ريشة الوطن، فإن تشبيه الزجال لوطنه بالريشة لم يكن من أجل التنقيص وإبراز العيوب بغاية السخرية والإضحاك، بل جاء معبرا عن موقف الرغبة في أن يراه في حال أفضل لأن الريشة هي من تدفئ .
فزجليات محمد لمسيح أبو سارة أداة للفضح، أداة لتقديم صورة الإنسان بمختلف تجلياته. فإن أبو سارة يوضف اللسان الدارجي أحسن توظيف؛ بمعنى أنه يوظف الدارجة توظيفا فنيا وجماليا، يحقق به إدهاش القارئ وإبهاره، ويدفعه إلى التفاعل مع النص الزجلي. إنه يرتقي بهذه اللغة الزجلية إلى مستوى بلاغي محض يتمكن من خلالها فرز الصور وتقسيمها، ويعبر بواسطتها عن ما يخالج صدره من أحاسيس نابعة من الذات.

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى
التخطي إلى شريط الأدوات