Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / ثقافة وفنون / مصطفى العسري في ضيافة “السطافيط” بغير وجع !!

مصطفى العسري في ضيافة “السطافيط” بغير وجع !!

20180504_182125
أصداء مزكان : نورس البريجةخالد الخضري

هناك مؤلفات تربكني الكتابة عنها وتقديم قراءة في مضمونها وشكلها، ليس لأنها ضخمة يستعصى على القارئ إتمامها أو معقدة يعسر استيعاب خطابها ودلالاتها، ولكن بالعكس لأنها كتب صغيرة الحجم غزيرة المحتوى، رائقة الصياغة. فأحتار عما سأتكلم في هذا الكتيب أو ذاك؟ كيف ومن أين أبدأه لأنهيه؟ إذ أجدني منجذبا إليه من مستهله إلى متمه، فأود لتبرئة ذمتي حوله كناقد، أن أنقله برمته ناصحا القارئ والمهتم بقراءته وكفى.. وهذا غير جائز. أو أسجل فقط عنوان الكتاب، ناشرا صورتَيْ الغلاف والمؤلف كاتبا: “اقرأوا هذا الكتاب” وهذا أيضا أمر مرفوض بتاتا فيبقى الارتباك قائما.
1 – “قوة الهم كتضحك”
هذا ما حصل لي مع الديوان الزجلي للشاعر الدكالي الزموري السيد مصطفى العسري وحامل لعنوان (وجع السطافيط) الذي قدم له زميله الزموري أيضا، القاص عبد الحميد شكيب تقديما شيقا، وحده كفيل بفتح شهية القارئ لالتهام الديوان سأختم بجزء منه هذه الورقة. كما لجأ الشاعر إلى الفنان التشكيلي ابن نفس المدينة بوشعيب الهبولي الذي أنجز لوحة معبرة بعد اطلاعه على محتوى الديوان تتماشى وطرحه الفكري بدءا من العنوان بإحالتها على الوجع والكدر والتفكير المضني.
هو كُتيِّب صغير الحجم، غزير المعاني (13/20 سم) وارد في 95 صفحة وحامل لتسعة عشر قصيدة، ما يعيبها ويعيب الكتاب ككل، هو عدم تصنيفها في فهرست يسهل عملية انتقائها والاطلاع على عناوينها دفعة واحدة. وهذه مؤاخذة شكلية ألاحظها على عدد لا يستهان به من كتب أصدقاء وزملاء مؤلفين ممن ينشرون كتبهم بدون فهرست.. فالكتاب من غير هذا الأخير كالطريق بدون علامات التشوير.
باستثناء هذه الملاحظة الشكلية، تبقى أغلبية قصائد الديوان متماسكة شعريا وذات حمولة فكرية ووجدانية تحيل على الوجع دون إثارة الألم.. بل بالعكس هو وجع يثير الفكاهة والابتسام إن لم أقل الضحك، فلعل “شر البلية ما يضحك” كما يقال.. أي وأنت تقرأ قصائد (وجع السطافيط) تشعر بمعاناة ووجع الشاعر دون أن تعاني مثله.. بل بالعكس إنك ترفه عن نفسك نظرا لطابع الطرافة الذي يسم الديوان ككل بدءا من العنوان، دون أن يخل هذا بعنصر التعاطف معه طبعا.
فالوجع معروف و”السطافيط” هي سيارة الشرطة التي تلم المشردين والجانحين عن القانون نهارا وخصوصا ليلا.. فهي إذن بشكل أو بآخر تحمل وتتوجع بآلام المخاض بأبناء غير شرعيين لها قبل أن تنجبهم في مخافر الشرطة وأقفاص المحاكم.. أو على حد تعبير الشاعر في ذات القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها: ((لحملة حمْلات وبغات تجيب وحمها عليَ)) – (ص: 33)
ففي هذه القصيدة نوع من التهكم على رجال الشرطة الذين يخلطون الحابل بالنابل، فيلقون القبض على كل من يسير في شارع أو زقاق مظلم، تحت المطر، ولو من أجل استنشاق نسمة هواء واستدراج نوم هارب: ((الغمضة من عيوني هربات.. گلت نخرج نشم الهوا.. وغيرخلّفت شي خطوات.. طار علي واحد الخاوا ووقفني جنب الحايط.. والشتا من السما خايْط)) – ص: 33/34.
وهكذا نجد في السطافيط خلطة بشرية تجمع السكير إلى جانب الملتحي.. والشاعر إلى جانب المقامر.. والمتسول إلى جانب الإرهابي.. والجاني إلى جانب المجني عليه.. والعاهرة إلى جانب الأستاذة التي أوصلها زميلها إلى بيتها ليلقى عليهما القبض بتهمة الفساد والتحريض عليه…
فهذا ما وقع لشاعرنا حين خرج “يشم الهوا في الثلاثة الليل” ويستجدى سباتا خاصم جفنيه، فحملته السطافيط إلى جانب شرذمة متنوعة من المعتقلين، ليخضع إلى سين وجيم.. وصفع وإهانة وتنكيل، رغم أنه حاول أن يبدون ويتصرف كشاعر مثقف متشبثا بمبدأ حرية التجول وحقوق الإنسان الذي يضمنه الدستور:
((بغيت ندير فيها حتى أنايا حقوق الإنسان.. بغيت ندير مثقاف الساعة شلا ما كان.. شواك الذل والحرمان مازالت مدگوگة بين الكتاف.. وجيبة من التصرفيق.. طرح من الشمالات: انطق.. اهضر.. گول.. گر.. فيك فيك..وعلى والو امضي في المحضر)) – ص: 35 / 36
وهكذا وبعد سلسة من الأسئلة المجترة والصفعات واللكمات والتوقيع الجبري على المحضر، يكتشف أصحاب الحال أنهم حمّلوا السطافيط بالرجل أو الجنين الخطأ. وحين يسألهم عن سبب اعتقاله واقتياده إلى المخفر إلى جانب النمام.. والشمشام.. والسارق “اللي لام .. والمبحوث عنه لمدة عام”..؟ يردون ببرودة اللامسؤولية: “أنت جبناك غير خضرة فوگ طعام” !!
أليس شر البلية ما يضحك؟ أو بالدارجة: “قوة الهم تضحك”
2 – “عسل وحنظل.. حليب وقطران…”
جذفتْ بقية قصائد الديوان في روافد متنوعة من المضامين لتعرج، وانطلاقا من بعض العناوين، على ما هو إنساني كمؤازرة المرأة في القصيدة التي تحمل عنوانها “المرا” حيث نظم مصطفى:
((ياك بالمرا شحال من راجل تعظم.. المرا امِّي.. وامك.. أختي واختك.. المرا لباس.. قياس.. أنفاس.. إحساس.. المرا نقرة وتغبّر كل ما هو نحاس.. الحاصول ما فيه، غير المرا وخلاص)) – ص: 14/15
ومنها ما هو وطني:
((وطاني وطاني.. اكره من اكره وحب من حب.. شمال وجنوب شرق وغرب.. هاد الوطن محبوب.. ساكن كل قلب)) – ص: 49.
ومنها ما هو فلسفي وأيضا سياسي يتغنى على “لسان زيزون”:
((حلقي نشف.. واخرج لساني لشوية الريق يتسلف.. لقى الفرَّاشة جمعوا والسوق اخرف.. مول المليح باع وراح.. من عام البون.. والتاريخ اشرف.. واهرف.. في لسان زيزون)) – ص: 31
ومنها ما هو تراثي يمتح سواء من أمثال وحكم أو من أقوال أثيرة ومتداولة بكثرة، في الحواضر كما البوادي مثل: (رمانة مغمضة) – (واك واك الحق) – (بيه فيه) – (أرا وهاك)… وبالتالي حبلت كل قصيدة بباقة من المعاني والدلالات العميقة في شتى مناحي ونوازل الحياة، قاسمُها المشترك تلك النفحة الكوميدية التي تجعل الوجع محتملا فتثير البسمة والضحك خصوصا متى قُرأت القصيدة بشفتَيْ الشاعر، أي سمعتها مباشرة منه.. لأن الاستماع إلى القصيدة الشعرية أو الزجلية بصوت ناظمها خصوصا متى كان يجيد الإلقاء، يكون أشد تأثيرا وأكثر بلاغة من قراءتها على الورق، فالقصيدة الملقاة بلسان صاحبها تضج صدقا وحرارة.
أضف إلى ذلك أن السِّي مصطفى العسري يحفظ جيع قصائده عن ظهر قلب مهما كان طولها، فيلقيها دون اللجوء إلى الورقة، وهذه ميزة قلما توفرت لمعظم الشعراء والزجالين.
لهذا نصحته، حين نشر ديوانه المرتقب والذي يحمل عنوان قصيدة أثيرة نظمها: (توحشْتني) أن يسجل قصائد هذا الديوان على شريط مضغوط CD.. في خلفية موسيقى مناسبة معبرة ليرفقه مع الديوان، وذلك حتى يتسنى لأكبر عدد من عشاق نظمه الاستمتاع بإلقائه بمن في ذلك الذين لا يحسنون القراءة والكتابة.. إذ وأنت تستمع للسي مصطفى يلقي إحدى قصائده، فإنك تتماهى معه.. وتنتشي بلفظه ونبرات صوته.. فينفذ خطابه مباشرة إلى وجدانك حيث تتمتع، وفي نفس الوقت تتعاطف معه.. فتحس معاناته التي يبلغها لك من خلال جرعات باسمة، تجمع بين المر والعذب.. وبين وخز الجبين والربت على الخدين.. أو على حد تعبير الكاتب عبد الحميد شكيب الذي أقر في تقديمه للديوان أن هذا هو: “المصطفى العسري.. زين السمية.. بوهالي هاز المرفودة للقصيدة.. يدور بها من درب لدرب.. مجذوب القصبة.. تفْريخت أزمور.. زجال دكالي وماشي واحد خرر.. موسد عتبة الكلام.. زين وموازن كيخرج من فمو عسل وحنظل.. حليب وقطران.. مسك ودفلة.. وهذا ما كان.. الهضرة شلا.. ونخليكم مع الكتاب احسن” – ص: 5/6.

Facebook Comments

عن أصداء مزكان

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم . وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع. الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي موقع أصداء مزكان

اترك رد

إلى الأعلى